تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
الدّائمة الّتي لا مجال فيها لأيّ غياب في وعي الخلق كلّه ، فوجوده هو الوعي كلّه ، فلا سنة تصيبه ولا نوم يأخذه ، وهو المحيط في علمه بكلّ شؤون خلقه ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة ، ولا يملك أحد منهم أيّ شيء من علمه إلّا من خلال مشيئته ، في إعطاء العلم لمن يشاء . فكما أنّ كلّ وجودهم مستمدّ من وجوده ، فإنّ كلّ علمهم مستمدّ من علمه ، ولا شفاعة لأحد عنده من خلال ما يملك من قدرة أو تأثير ، أو دلالة عليه من خلال ذاته ، فمنه الشّفاعة ، فهو الّذي يأذن بها ، وهو الّذي يختار نتائجها ، من خلال حكمته العميقة الشّاملة ، وهو الّذي اتّسع ملكه وامتدّت قدرته ، وانفتح حكمه على السّماوات والأرض ، فلا يضيق عنه شيء منها أو ممّا فيها ، فهو الّذي يحتويها ويحتوي ما زاد عنها ، وهو الّذي يملك العلوّ في أعلى درجاته ، فلا درجة أعلى من موقعه في ذلك ، وهو الّذي انطلقت عظمته ، فلا عظيم أمامه ، لأنّ عظمة الأشياء هبة منه ، وخلق من خلقه . وهكذا يعيش الإنسان مع ربّه في هذا التّصوّر الفطريّ البسيط ، ليبقى في دائرة الوضوح الّذي لا يحتاج معه إلى أيّة شروح وتفسيرات ، ممّا يلجأ إليه الفلاسفة في تعقيداتهم الفكريّة ، على أساس الفلسفات الأخرى المرتكزة على القواعد البعيدة ، عن أجواء العقيدة الإسلاميّة ؛ بحيث يجد الإنسان المسلم نفسه ضائعا بين الجوّ الإسلاميّ للعقيدة ، والجوّ غير الإسلاميّ للفلسفة ، الأمر الّذي يؤدّي إلى الكثير من الضّبابيّة في عالم التّصوّر . إنّنا لا ننكر وجود قيمة فكريّة في الأسلوب الفلسفيّ ، في معالجة قضايا الدّين والعقيدة ، ممّا يمنح الفكرة شيئا من العمق الّذي يؤكّد قوّتها أمام الأفكار الأخرى في مجالات الصّراع الفكريّ بين الإسلام وخصومه ، ولكنّنا نعتقد أنّ للقرآن أسلوبه الفطريّ في إثارة مفردات العقيدة ، على أساس الإيحاء الدّائم بالبساطة الرّوحيّة ، في الوجدان الإسلاميّ ، فلا بدّ من ملاحظة هذا الجانب في دراسة الفلسفة الإسلاميّة . إنّ الحديث عن استحباب قراءتها ، يوحي بالمسألة التّربويّة في تعميق التّصوّر الإسلاميّ للعقيدة في المفردات القرآنيّة ، ليقرأها المسلم في كلّ يوم أو في كلّ ليلة ، كمنهج تربويّ إسلاميّ في تثبيت العقيدة في نفس المسلم . فإنّ قراءة القرآن اليوميّة تنطلق من تحريك الآيات القرآنيّة في الوجدان الإنسانيّ ؛ بحيث يكون نموّه في هذا الجوّ الّذي يحقّق الصّفاء الفكريّ للتّنشئة الفكريّة والرّوحيّة ، حتّى لا تختلط عليه الأمور الّتي تشوّش عليه الصّورة من خلال القراءات المتنوّعة ، فلا تبقى لديه صورة واضحة عن إسلامه ، لذلك كانت القراءة اليوميّة وسيلة من وسائل إعادته إلى الينابيع الإسلاميّة الصّافية للعقيدة ، وللمفاهيم العامّة للحياة ، بالطّريقة الذّاتيّة الّتي يواجه فيها الإنسان قضيّته العقيديّة من موقعه الإنسانيّ في تجربته الذّاتيّة ، فهو الّذي يقرأ الآية الّتي قد تثير لديه الكثير من التّساؤلات ، وذهنيّة اللّامبالاة أمام التّيّارات الأخرى ، إذا اندفعت إلى ساحته العامّة ، أو وجدانه الخاصّ . إنّ الإنسان - في هذه الحال - يمارس رياضة تربويّة يوميّة ، تقوّي عضلاته الرّوحيّة والفكريّة بالطّريقة الّتي
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 734 | مجمع البحوث الاسلامية