تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
نفي الإمكان ؛ إذ لو اتّصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة فحيث لم يوجد علم عدم اتّصافه به ، وما لم يتّصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتّصف به لاستحالة الانقلاب . وأمّا على تقدير الإمكان فلأنّا نقول قد ظهر أنّ إمكان اتّصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم اتّصافه بالفعل بالضّرورة ، فإذا استفيد إمكانه يستفاد وجوده أيضا ؛ إذ كلّ ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود ، على أنّه قد ذكر غير واحد أنّ نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبة من التّوحيد يناط بها الإسلام ويكتفي بها من أكثر العوامّ ، وإن لم يعلموا نفي إمكانه سيّما مع الغفلة وعدم الشّعور به ، فلا يضرّ عدم دلالة الكلمة عليه . بل قال بعضهم : إنّ إيجاب النّفي جاء والآلهة غير اللّه تعالى موجودة ، وقد قامت عبادتها على ساق ، وعكف عليها المشركون في سائر الآفاق ، فأمر النّاس بنفي وجودها من حيث إنّها آلهة حقّة ، ولو كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود إله حقّ غيره تعالى لكنّه غير موجود أصلا لأمروا بنفي ذلك الإمكان . ولا يخفى أنّ هذا ليس من المتانة بمكان . ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصّا ، بأن يكون ذلك الخاصّ مستحقّا للعبادة والمقام قرينة واضحة عليه . واعترض بأنّه لا يدلّ على نفي التّعدّد لا بالإمكان ولا بالفعل ، لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحقّ العبادة ، وبأنّه يمكن أن يقال : إنّ المراد إمّا نفي المستحقّ غيره تعالى بالفعل أو الإمكان ، والأوّل لا ينفي الإمكان ، والثّاني لا يدلّ على استحقاقه تعالى بالفعل . وأجيب بأنّ من المعلوم بأنّ وجوب الوجود ، مبدأ جميع الكمالات ، فلا ريب أنّه يوجب استحقاق التّعظيم والتّبجيل ، ولا معنى لاستحقاق العبادة سواه . فإذا لم يستحقّ غيره تعالى للعبادة لم يوجد غيره تعالى وإلّا لاستحقّ العبادة قطعا ، وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا على ما أشير إليه ؛ فثبت أنّ نفي الاستحقاق يستلزم نفي التّعدّد مطلقا . والقائلون بعدم تقدير الخبر ، ذهب الأكثر منهم إلى أنّ ( لا ) هذه لا خبر لها ، واعترض بأنّه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد ، وهو باطل قطعا ؛ ضرورة اقتضاء التّوحيد ذلك . وأجيب بأنّ القول بعدم الاحتياج لا يخرج المركّب من ( لا ) واسمها عن العقد ، لأنّ معناه انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد ، و ( الّا ) عند هؤلاء بمعنى « غير » تابعة لمحلّ اسم ( لا ) ، وظهر إعرابها فيما بعدها . ولا مجال لجعلها للاستثناء ؛ إذ لو كانت له لما أفاد الكلام التّوحيد ، لأنّ حاصله حينئذ أنّ هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف ، فيفهم منه عدم انتفاء أفراد غير خارج عنها ذلك ، وهو بمعزل عن التّوحيد ، كما لا يخفى . واستشكل الإبدال من جهتين : الأوّل : أنّه بدل بعض ولا ضمير للمبدل منه ، وهو شرط فيه . الثّاني : أنّ بينهما مخالفة ، فإنّ البدل موجب والمبدل منه منفيّ . وأجيب عن الأوّل : بأنّ ( الّا ) تغني عن الضّمير لإفهامها البعضيّة ، وعن الثّاني : بأنّه بدل عن الأوّل في عمل العامل ، وتخالفهما في الإيجاب ، والنّفي لا يمنع البدليّة .