سلطانا . ومن ثمّ تعدّدت الآلهة المنتحلة . وكلّ تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقيّة وإن كان المعبود غير إله حقيقة ، أي ليس له هذا السّلطان الّذي اعتقده العابد له ، لا بالذّات ولا بالتّوسّط إلى ما هو أعظم منه . فالإله الحقّ هو الّذي يعبد بحقّ وهو واحد ، والآلهة الّتي تعبد بغير حقّ كثيرة جدّا .
وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدّعوى الباطلة الّتي يثيرها الوهم ، ذلك أنّ الانسان إذا رأى أو سمع أو توهّم أنّ شيئا غريبا صدر عن موجود بغير علّة معروفة ولا سبب مألوف ، يتوهّم أنّه لو لم تكن له تلك السّلطة العليا والقوّة الغيبيّة لما صدر عنه ذلك ، حتّى أنّ الّذين يعتقدون النّفع ببعض الشّجر والجماد كشجرة الحنفيّ ونعل الكلشنيّ « 1 » يعدّون عابدين لها حقيقة .
والحاصل أنّ معنى
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقيّة على النّفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرا منها ، معتقدة أنّ بيده منح الخير ورفع الضّرّ بتسخير الأسباب أو بإبطال السّنن الكونيّة إلّا اللّه تعالى وحده . ( رشيد رضا 3 : 23 )
الطّباطبائيّ : ضمير ( هو ) وإن رجع إلى اسم الجلالة لكنّ اسم الجلالة لمّا كان علما بالغلبة يدلّ على نفس الذّات من حيث إنّه ذات ، وإن كان مشتملا على بعض المعاني الوصفيّة الّتي يلمح باللّام أو بالإطلاق إليها ، فقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
يدلّ على نفي حقّ الثّبوت عن الآلهة الّتي تثبت من دون اللّه . ( 2 : 328 )
فضل اللّه :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
هذه الكلمة علم لذات واجب الوجود ، فلا تطلق على غيره ، ومن هنا كان الفرق بينها وبين كلمة إله ، لأنّ كلمة إله عامّة شاملة لكلّ ما يفرض مستحقّا للعبوديّة ، ولذلك أمكن الاستثناء منها ، وكانت كلمة : لا إله إلّا اللّه ظاهرة في التّوحيد ، باعتبار دلالتها على انحصار المستحقّ للعبوديّة في الذّات المقدّسة ، ولو كانت هذه الكلمة تطلق على غيره لما كان لها ظهور في ذلك .
( الحىّ ) الّذي لا يشوب حياته عدم من قبل ولا من بعد ، لأنّها لا تخضع لفرضيّة القبل والبعد ، فهو القديم الّذي لا أوّل له ولا آخر . وفي هذا الجوّ الممتدّ للحياة ، يمكن للإنسان أن يعيش الشّعور ، بامتداد الارتباط باللّه ما امتدّت بالإنسان حياته ، لأنّه يسبق حياة الإنسان ، فيعطيها معنى الحياة ، ويمتدّ معه ويبقي بعد فنائه ، بينما لا يشعر بهذا الارتباط مع غيره من أفراد الإنسان ، ممّا يوحي له بعمق العلاقة الّتي ينبغي أن تشدّه إلى اللّه ، من موقع الحاجة الفعليّة الدّائمة إليه . [ إلى أن قال : ]
قد تكون قيمة هذه الآية - في الجانب الإيحائيّ من القرآن - أنّها تمثّل وعي العقيدة في العقل والرّوح والإحساس ، بالبساطة التّوحيديّة الّتي لا تدخل الإنسان في التّعقيدات الفلسفيّة ، بل تقدّم له الصّورة الإلهيّة واضحة بسيطة ، ينفتح فيها التّصوّر على اللّه في وحدانيّته ، في شمول ربوبيّته لكلّ شيء ، بكلّ ما تعنيه كلمة الرّبوبيّة ، من الخلق والتّدبير والإمداد الغيبيّ والشّهوديّ ، والقيام على الخلق كلّه بالمطلق واليقظة
هامش
( 1 ) شجرة عند جامع السّلطان الحنفيّ المعروف بمصر تزار وتلتمس منها المنافع ودفع المضارّ . ونعل الكلشنيّ نعل قديمة في تكية الكلشنيّ بمصر يتبرّك بها ، ويقال : إنّ الماء الّذي يشرب عنها ينفع للتّداوي من العشق . ( رشيد رضا 3 : 24 ) .