تعدّدت الصّفات الخاصّة بالواجب تعالى - كالإلهيّة للعالم ، والقادريّة على ما يشاء ، والعالميّة بجميع الأشياء - يلزم تركّب كلّ من الإلهين من الذّات والصّفة ، والتّركيب ينافي الإلهيّة - تنافي الإمكان للوجوب - .
لا يقال : التّركيب والتّعدّد في مجموع الذّات والصّفة لا ينافي بساطة الذّات ، والواجب الوجود هو الذّات فقط دون المجموع من الذّات والصّفة .
لأنّا نقول : الكلام في الصّفات الكماليّة ، فإذا لوحظ وجود الذّات بحسب نفسه وقطع النّظر عن ما يزيد عليه « أهو موصوف بالصّفة الإلهيّة الكماليّة أم لا ؟ »
لا سبيل إلى الثّاني وإلّا لزم افتقاره إلى الغير في كمال ذاته ، ولو لم يكن أيضا مبدأ سلسلة الممكنات كلّها سواء كانت صفاتا أو أفعالا ، والبرهان قد دلّ على وجود أمر بسيط يفتقر إليه الأشياء - هذا خلف - فهو بنفس ذاته المقدّسة إله ومبدأ للكلّ ، فمقوّم ذاته هو بعينه مقوّم إلهيّته ، وكذلك سائر الصّفات الّتي تستوجبها الإلهيّة وتستحقّها الواجبيّة - من الوجود ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة - فيجب أن يكون مصداق حملها جميعا على ذاته نفس هويّته البسيطة من غير تركّب وتعدّد ، لا باعتبار مغايرة الصّفات ولا باعتبار المغايرة بينها وبين الذّات .
وبالجملة تأكّد الوحدة في الذّات الواجبيّة يستلزم استحالة التّعدّد في الصّفات الإلهيّة مطلقا ، سواء كان مع تعدّد الموصوف عينا كفرض إلهين منفصلين ، أو عقلا فقط كفرض صفات واجبة متعدّدة لموصوف واحد ، كما ذهب إليه الصّفاتيّون ، تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا .
واعلم أنّ الفساد والاستحالة في هذا الشّقّ أشنع وأفحش ، والظّلم فيه أشدّ عندي ؛ إذ يلزم فيه فوق ما يلزم في الأوّل - من التّركيب اللّازم للتّعدّد المنافي للوجوب - شيء آخر ، وهو خلوّ الواجب في حدّ نفسه عن الواجبيّة والصّفات الكماليّة بحسب أوّل الوضع ، وهي مفسدة مختصّة بهذا الشّقّ دون الشّقّ الأوّل ؛ إذ لأحد أن يفرض واجبين يكون صفات كلّ منهما عين ذاته إلى أن يقوم البرهان على استحالته ، والبرهان وإن جمع بينهما في هذه الاستحالة أيضا لكن بحسب التّأدية والاستجرار حيّزا ، لا بمقتضى الوضع صريحا من أوّل الأمر .
وكما أنّ فوق كلّ ذي علم عليم إلى أعلم العلماء ؛ وهو صاحب القوّة القدسيّة ، فكذلك تحت كلّ ذي جهل جهيل إلى أجهل الجهّال ؛ وهو الجاهل بلزوم أحد النّقيضين للآخر إذا لزم من أوّل الوضع . وإن كان جميع الجهالات مشتركة في التّأدية إلى الجهل بوضع شيء بعينه مع نقيضه ، ومتفاوتة مراتبها بحسب مراتب سرعة التّأدية وبطئها ، وطول مسافة المقدّمات وقصرها إلى النّتيجة . فالرّسوخ في الجهل يتحقّق إمّا بعدم التّفطّن بفساد الشّيء البيّن الفساد مع الإصرار به - وهذا هو الغاية - ، أو بعدم العلم باندراج الأكبر للأصغر مع قلّة الحدود والوسائط بينهما مع اعتقاد نقيض النّتيجة . وفي مقابله الرّسوخ في العلم ، وهو سرعة التّفطّن بالنّتيجة مع كثرة الحدود والمبادئ الّذي يقال له : « الحدس الشّديد » وغاية القوّة القدسيّة الّتي للأنبياء والأولياء .
وعدم الرّسوخ في كلّ منهما يعرف بمعرفة الرّسوخ
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 728
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٢٨