تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 729

مساهمون:

ص٧٢٩
فيه ؛ إذ مراتب كلّ منهما ، لكونهما وجودين متقابلين مختلفة شدّة وضعفا ورسوخا وفتورا . وأمّا بيان الثّالث فلأنّ ( القيّوم ) لكونه صيغة مبالغة يدلّ على كمال الاستقلال في التّقويم والايجاد شدّة وعدّة . فلو كان في الوجود فاعل آخر - سواء كان تامّا في الفاعليّة أو ناقصا مبائنا أو مشاركا للأوّل - يلزم خلاف المفروض ، وهو كونه تعالى ضعيفا في الفاعليّة قاصرا فيها . أمّا على تقدير كون الثّاني تامّا في الفاعليّة والإيجاد ، فلأنّه يلزم أن يكون بعض الممكنات خارجا عن صنعه وإيجاده فلم تكن قدرته شاملة له لامتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد معيّن ؛ فيكون عدد مقدوراته ناقصا يمكن الزّيادة عليه ، فلم تكن قيّوميّته في الغاية بحسب العدد . وأمّا على تقدير كون الثّاني مشاركا له في الفاعليّة - سواء كان جزء أو معينا أو معدّا ، أو آلة ، أو سببا غائيّا ، أو مصلحة أو انتظارا لفرصة ، أو غير ذلك - لم يكن بحسب ذاته قيّوما على ما يقوي عليه ذاته مع الشّريك ، وهو أحد الأمور المذكورة أيّ أمر كان منها . فقيّوميّته تدلّ على أن لا فاعل غيره ، كما أنّ ذاته تدلّ على أن لا واجب سواه ، لقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
آل عمران : 18 . فهذه العلوم الثّلاثة التّوحيديّة - أعني توحيد الذّات ، وتوحيد الصّفات ، وتوحيد الأفعال - أعلى طبقات العلوم ، وأعلى هذه وأشرفها هو علم الذّات ، ثمّ علم الصّفات ثمّ علم الأفعال ، ولهذا وقع بهذا التّرتيب في قوله تعالى :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
وكذا وقعت الدّلالة على هذه العلوم الثّلاثة في قوله سبحانه :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
البقرة : 163 ، بهذا المنهج ، فإنّ قوله :
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
توحيد للذّات ، وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
توحيد الصّفات على ما قرّرناه ، وقوله :
( الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ )
أي رحمان الدّنيا ورحيم الآخرة ، توحيد الأفعال . هذا طريق التّدرّج في مسلك الإلهيّة . وأمّا طريق التّدرّج في مسلك العبوديّة فبعكس هذا التّرتيب ، وهو التّرقّي من الأفعال إلى الصّفات ، ومن الصّفات إلى الذّات ، فكما أنّ طريق الإلهيّة يقتضي التّدرّج النّزوليّ إلى أدنى المراتب :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ق : 16 ، « أنا عند المنكسرة قلوبهم ، أنا عند المندرسة قبورهم » ، « لو [ أنّكم ] دلّيتم [ رجلا ] بحبل إلى الأرض السّفلى لهبط إلى اللّه » ؛ وذلك لأنّ كمال النّوريّة والظّهور يوجب كمال القرب والدّنوّ . ألا ترى أنّه إذا كان في سطح واحد سواد وبياض ترى البياض لوضوحه أقرب ، والسّواد لخفائه أبعد . ففي طريق العبوديّة يقع التّدرّج الصّعوديّ إلى أعلى المراتب ، وهو مقام العنديّة « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » . فوقع بيان هذه المراتب في كلام اللّه تعالى على سنّة الإلهيّة كما علمت . وفي كلام الرّسول صلّى اللّه عليه واله على سنّة العبوديّة ؛ حيث قال : « أعوذ بعفوك من عقابك » فهذه ملاحظة توحيد الأفعال ، ثمّ قال : « وأعوذ برضاك من سخطك » هذا بملاحظة توحيد الصّفات ، ثمّ قال : « وأعوذ بك منك » هذا بملاحظة توحيد الذّات ، فلم يزل إلى القرب يترقّى من طبقة إلى طبقة ومن مرتبة إلى مرتبة في