تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 727

مساهمون:

ص٧٢٧
من الفصاحة وعلم البيان ، منها في آية الكرسيّ : حسن الافتتاح ، لأنّها افتتحت بأجلّ أسماء اللّه تعالى ، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعا ، [ مع احتساب « هو » ] وتكرير الصّفات ، والقطع للجمل بعضها عن بعض ، ولم يصلها بحرف العطف ، والطّباق في قوله :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
فإنّ النّوم موت وغفلة و ( الحىّ القيّوم ) يناقضه ، وفي قوله :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ . .
والتّشبيه في قراءة من قرأ
( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
أي كوسع ، فإن كان الكرسيّ جرما فتشبيه محسوس بمحسوس ، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس . ومعدول الخطاب في :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدّين أحدا ، والطّباق أيضا في قوله :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
وفي قوله : « آمنوا » و « كفروا » ، والتّكرار في الإخراج لتباين تعليقهما ، والتّأكيد بالمضمر في قوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ .
( 2 : 284 ) السّيوطيّ : أي لا معبود بحقّ في الوجود إلّا هو . ( الجلالين 1 : 133 ) صدر المتألّهين : اعلم أنّ الغاية القصوى في القرآن عامّا وفي هذه الآية خاصّة توحيده تعالى ذاتا وصفاتا وأفعالا ؛ إذ به يرتقي الإنسان من أسفل سافلين إلى أعلى علّيّين . وبحسب مراتب التّوحيد له تعالى يكون تفاوت درجات الموحّدين قربا وبعدا ، وكمالا ونقصا ، وفضيلة ورذيلة ، وشرافة وخسّة . فربّ موحّد فاز بتوحيد الذّات الواجبيّة بوجه ولم يفز بتوحيد الصّفات والأفعال كأكثر المتكلّمين ، وهم أصحاب أبي الحسن الأشعريّ ، وربّ فائز بتوحيد الذّات والصّفات دون الأفعال كجمهور الفلاسفة القائلين بعينيّة الصّفات للذّات ، المثبتين للوسائط الجاعلات والعلل المؤثّرات الموجبات ، وهو نوع من الشّرك ، إلّا أنّ محقّقيهم مطبقون على أنّ الفاعل الحقيقيّ هو الحقّ تعالى ، والوجود معلول له على الإطلاق والوسائط معدّات ومهيّئات وسوابق ، ومقدّمات قدّمها الباري بمقتضى نظمه البديع وحكمته الأنيقة ، لا أنّ لها دخلا في التّأثير والإيجاد بل في التهيّئ والإعداد . إذا تقرّر هذا فنقول : قوله : ( اللّه ) إشارة إلى توحيد الذّات ، وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
إشارة إلى توحيد الصّفات ، وقوله :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
إشارة إلى توحيد الأفعال . أمّا بيان الأوّل فلأنّ معنى اسم ( اللّه ) كما علمت هو الذّات المستجمعة للصّفات الكماليّة الذّاتيّة الوجوبيّة . ولا شبهة في أنّ التّركيب من الأجزاء ينافي الوجوب الذّاتيّ ، لكونه مستلزما لافتقار المركّب إلى كلّ واحد من الأجزاء ، والافتقار ناش عن النّقصان والإمكان الذّاتيّين ، وهما منافيان للكمال والوجوب الذّاتيّين ، فمعنى « الإلهيّة » المستلزمة لكون الشّيء مبدأ سلسلة الوجود والإيجاد ، ينافي التّركيب المستلزم للحاجة . وأمّا بيان الثّاني فلأنّ التّعدّد في الصّفات الكماليّة الإلهيّة يستلزم التّعدّد في وجود الذّات لافتقار كلّ صفة إلى موصوف ، ولكون كلّ صفة لشيء فرع وجود ذلك الشّيء ، فيلزم من تعدّدها تعدّده - ولو بحسب العقل - فلو
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 727 | مجمع البحوث الاسلامية