واحد .
وقال أبو البقاء : ( اله ) خبر المبتدأ ، و ( واحد ) صفة له ، والغرض هنا هو الصّفة ؛ إذ لو قال : وإلهكم واحد ، لكان هو المقصود إلّا أنّ في ذكره زيادة تأكيد ، وهذا يشبه الحال الموطّئة كقولك : مررت بزيد رجلا صالحا ، وكقولك في الخبر : زيد شخص صالح . ولعلّ الأوّل ألطف . . . [ إلى أن قال : ]
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب ، وعلى أيّ تقدير هو مقرّر للوحدانيّة ومزيح - على ما قيل - لما عسى أن يتوهّم أنّ في الوجود إلها لكن لا يستحقّ العبادة . والضّمير المرفوع - على الصّحيح - بدل من الضّمير المستكنّ في الخبر المحذوف ، فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع .
وقد اختلف في المنفيّ هل المعبود بحقّ أو المعبود بباطل ؟
فقال محمّد الشّيشينيّ : النّفي إنّما تسلّط على الآلهة المعبودة بباطل ، تنزيلا لها منزلة العدم .
وقال عبد اللّه الهبطيّ : إنّما تسلّط على الآلهة المعبودة بحقّ ، ولكلّ انتصر بعض .
وذكر الملويّ : أنّ الحقّ مع الثّاني ، لأنّ المعبود بباطل له وجود في الخارج ، ووجود في ذهن المؤمن ، بوصف كونه باطلا ، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقّا ، فهو من حيث وجوده في الخارج في نفسه لا تنفى ، لأنّ الذّات لا تنفى ، وكذا من حيث كونه معبودا بباطل أمر حقّ لا يصحّ نفيه وإلّا كان كذبا ، وإنّما ينفى من حيث وجوده في ذهن الكافر من حيث وجوده في ذهنه بوصف كونه معبودا بحقّ ، فالمعبودات الباطلة لم تنف إلّا من حيث كونها معبودة بحقّ . فلم ينف في هذه الكلمة إلّا المعبود بحقّ غيره تعالى ، فافهم . ( 2 : 29 )
النّهاونديّ : ومعبودكم أو مفزعكم أيّها النّاس إله واحد ومفزع ، أو معبود فارد لا تعدّد له حتّى تباينوا في المقصد وتتشعّبوا في المسلك . ثمّ قرّر وحدانيّته وأكّده بقوله : لا إله موجود ومتصوّر إلّا هو فلا تعبدوا إلّا إيّاه ولا ترجوا ولا تخافوا ما سواه .
وفي الإتيان بضمير الغائب إشعار بأنّه تعالى من غاية إبهام ذاته وكنه صفاته يكون غيب الغيوب ، وحقيقته من العقول والأوهام مستور ومحجوب لا تدركه الأبصار والقلوب ، وهو يدرك الأبصار والألباب ، ليس له دون خلقه ستر ولا حجاب محيط بذرّات الكائنات ، قيّوم على جميع الممكنات ، فهو بذاته - مع قطع النّظر عن نعمة - مستحقّ لأن يعبده جميع الموجودات .
( 1 : 125 )
الطّباطبائيّ : [ قال بعد بحث في الوحدة : ]
وبالجملة فقوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
تفيد بجملته اختصاص الألوهيّة باللّه عزّ اسمه ، ووحدته فيها وحدة تليق بساحة قدسه تبارك وتعالى ؛ وذلك أنّ لفظ « الواحد » بحسب المتفاهم عند هؤلاء المخاطبين لا يدلّ على أزيد من مفهوم الوحدة العامّة الّتي تقبل الانطباق على أنواع مختلفة لا يليق باللّه سبحانه إلّا بعضها ، فهناك وحدة عدديّة ووحدة نوعيّة ووحدة جنسيّة وغير ذلك ، فيذهب وهم كلّ من المخاطبين إلى ما يعتقده ويراه