تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 719

مساهمون:

ص٧١٩
والّذي يليق به أن يكون معبودا بهذا الوصف ، إنّما يتحقّق بالنّسبة إلى من يتصوّر منه عبادة اللّه تعالى ؛ فإذن هذه الإضافة صحيحة بالنّسبة إلى كلّ المكلّفين ، وإلى جميع من تصحّ صيرورته مكلّفا تقديرا . المسألة السّابعة : قوله : ( والهكم ) يدلّ على أنّ معنى « الإله » ما يصحّ أن تدخله الإضافة . فلو كان معنى « الإله » القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد . ومعلوم أنّه ركيك ، فدلّ على أنّ « الإله » هو المعبود . المسألة الثّامنة : قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
معناه أنّه واحد في الإلهيّة ، لأنّ ورود لفظ « الواحد » بعد لفظ « الإله » يدلّ على أنّ تلك الوحدة معتبرة في الإلهيّة لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرّجل بأنّه سيّد واحد ، وبأنّه عالم واحد . ولمّا قال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول : هب أنّ إلهنا واحد ، فلعلّ إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التّوحيد المطلق ، فقال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
وذلك لأنّ قولنا : لا رجل ، يقتضي نفي هذه الماهيّة . ومتى انتفت هذه الماهيّة ، انتفى جميع أفرادها ؛ إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهيّة ، فمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهيّة ؛ وذلك يناقض ما دلّ اللّفظ عليه من انتفاء الماهيّة ، فثبت أنّ قولنا : لا رجل ، يقتضي النّفي العامّ الشّامل ، فإذا قيل بعد : إلّا زيدا ، أفاد التّوحيد التّامّ المحقّق . وفي هذه الكلمة أبحاث : أحدها : أنّ جماعة من النّحويّين قالوا : الكلام فيه حذف وإضمار ، والتّقدير : لا إله لنا ، أو لا إله في الوجود إلّا اللّه . واعلم أنّ هذا الكلام غير مطابق للتّوحيد الحقّ ؛ وذلك لأنّك لو قلت : التّقدير أنّه لا إله لنا إلّا اللّه ، لكان هذا توحيدا لإلهنا لا توحيدا للإله المطلق ، فحينئذ لا يبقى بين قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وبين قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فرق . فيكون ذلك تكرارا محضا وأنّه غير جائز . وأمّا لو قلنا : التّقدير لا إله في الوجود ، فذلك الإشكال زائل ، إلّا أنّه يعود الإشكال من وجه آخر ؛ وذلك لأنّك إذا قلت : لا إله في الوجود لا إله إلّا هو ، كان هذا نفيا لوجود الإله الثّاني ، أمّا لو لم يضمر هذا الإضمار فكان قولك : لا إله إلّا اللّه نفيا لماهيّة الإله الثّاني . ومعلوم أنّ نفي الماهيّة أقوى في التّوحيد الصّرف من نفي الوجود ؛ فكان إجراء الكلام على ظاهره ، والإعراض عن هذا الإضمار أولى . فإن قيل : نفي الماهيّة كيف يعقل ؟ فانّك إذا قلت : السّواد ليس بسواد ، كان ذلك حكما بأنّ السّواد ليس بسواد ، وهو غير معقول ، أمّا إذا قلت : السّواد ليس بموجود ، فهذا معقول منتظم مستقيم . قلنا : القول بنفي الماهيّة أمر لا بدّ منه ، فانّك إذا قلت : السّواد ليس بموجود ، فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهيّة ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهيّة المسمّاة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهيّة من حيث هي هي ، فلم لا يعقل نفي تلك الماهيّة أيضا ، فإذا عقل ذلك صحّ إجراء قولنا : « لا إله إلّا اللّه » على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار . فإن قلت : إنّا إذا قلنا : السّواد ليس بموجود ، فما نفيت