وإنّها مشتقّة من « أله » بمعنى عبد أو « وله » بمعنى حار من شدّة الوجد ، أو « لاه » بمعنى سكن إلى الشّيء . وممّا قاله بعضهم : إنّ كلمة « اللّات » - المعبود الجاهليّ العربيّ المعروف ، المذكور اسمه في سورة النّجم - هي مؤنّث « اللّه » .
ويقتضي القول الأخير أن تكون كلمة « اللّات » عربيّة فصحى أصلا ، مع أنّ اسم « اللّاتو » و « اللت » و « هللت » و « اللّات » قرئ كمعبود على آثار قديمة بابليّة ونبطيّة وثموديّة وتدمريّة ولحيانيّة ، قبل البعثة النّبويّة بأمد طويل ، قد يصل بعضه إلى ألفي عام ، ولا يقلّ عن أربعمائة عام ، أي قبل أن تصبح اللّغة العربيّة فصحى مثل لغة القرآن وعصر النّبيّ ، على ما ذكرناه في سياق سورة النّجم .
ولمّا كانت لغة البابليّين والثّموديّين واللّحيانيّين والأنباط والتّدمريّين واللّغة الفصحى من أصل قديم واحد ، فلا يبعد أن يكون أصل الكلمة [ اللّات ] يعني الرّبّ والمعبود ، وأنّ كلمة « اللّه » الفصحى هي تطوّر من ذلك .
وفي اللّغات العربيّة القديمة « أيل » بمعنى اللّه أو الإله أو المعبود . وكانت تطلق على المعبود الأعظم أحيانا ، وعلى بعض المعبودات أحيانا ، في بلاد اليمن والعراق والشّام قبل البعثة النّبويّة بألف عام وقبل . وكانوا يضمّون إليها كلمات متنوّعة ، ويتسمّون بها اعترافا بعبوديّتهم للمعبود الّذي كانت ترمز إليه ، ومن ذلك :
جبرائيل وميكائيل ، ويسمع إيل ، ويصدق إيل ، وحي إيل ، وباب إيل وإسرائيل إلخ . .
فليس من المستبعد أن تكون كلمة « اللّه » في الفصحى وكلمة « اللّاة » قبل الفصحى تطوّرا عن هذه الكلمة أيضا .
وعلى كلّ حال فكلمة « اللّه » غدت في اللّغة العربيّة الفصحى - قبل الإسلام - علما على القوّة العظمى العاقلة الخالقة المدبّرة الرّازقة المحيية المميتة .
وكان العرب قبل الإسلام يستعملونها في هذه الدّلالة على اعتبار أنّه لا بدّ لهذا الكون العظيم البديع من صانع عاقل حكيم مدبّر والدّينونة له بالعبوديّة والعبادة ، وكانوا يعبدونها ويحلفون ب « اللّه » و « اللّهمّ » ، ويتسمّون باسم « عبد اللّه » للدّلالة على ذلك ، وإن كانوا يشركون معه شركاء للتّقرّب إليه والاستشفاع بهم عنده ، ممّا حكته آيات قرآنيّة كثيرة كثرة تغني عن التّمثيل .
ولقد استعمل القرآن هذا اللّفظ علما رئيسا على تلك القوّة أيضا . وورد في القرآن لحدته أحيانا ، ومع صفات اللّه وأسمائه الحسنى أحيانا ، ومع تقرير وجوب وجود القوّة الّتي يرمز إليها ووجوب الاعتقاد بها وشمول ربوبيّتها ووجوب الدّينونة لها بالعبادة والخضوع والإخلاص لها وحدها ، ووجوب تنزيهها عن أيّ شائبة ومماثلة ، واتّصافها بجميع صفات الكمال ، ممّا احتوت تقريره والتّدليل عليه آيات قرآنيّة كثيرة كثرة تغني عن التّمثيل كذلك ، وممّا غدا الطّابع المميّز للعقيدة الإسلاميّة وجرى المسلمون على إطلاق لفظ الجلالة على اللّه تقديسا وتعظيما .
ونستطرد إلى كلمة « الإله » فنقول : إنّ المتبادر أنّها وكلمة « اللّه » من اشتقاق قديم واحد ، ومن المحتمل أن تكون متطوّرة من كلمة « أيل » . وقد استعملت في القرآن
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 713
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧١٣