واندكّت جبال إنّيّاتهم في هويّة الأوّل المحتجب بشدّة ضوئه الأبهر ونوره الأقهر عن عيون خفافيش العقول ، فكأنّه قد وقعت رشحة من بحر تعزّزه وتمنّعه ، وعكست شعلة من نار كبريائه وجلاله على منصّات ظهور جماله ، حتّى اللّفظ الّذي بإزاء هويّته فتلجلج لسان الفصحاء عند بيانه ، وتمجمج البلغاء في الإخبار عن شأنه .
فقيل : هو لفظ عبريّ ، وقيل : هو سريانيّ ، وأصله « لاها » فعرّب بحذف الألف من آخره ، وأدخل اللّام والألف عليه .
وقيل : بل هو عربيّ ، وأصله « إله » حذفت الهمزة وعوّض عنها بالألف واللّام ، ومن ثمّ لم يجز إسقاطهما حال النّداء ، ولا وصلت الهمزة تحاشيا عن حذف العوض أو جزئه ، فقيل في النّداء : يا أللّه بالقطع ، كما يقال :
يا إله . وإنّما خصّ القطع به تمحيضا لهما في العوضيّة ، للاحتراز عن اجتماع أداتي التّعريف ، وفيه ما فيه .
و « الإله » من أسماء الأجناس كالرّجل والفرس ، فيقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل ، ثمّ غلب على المعبود بحقّ ، كما غلب « النّجم » على الثّريّا ، و « السّنة » على عام القحط ، و « البيت » على الكعبة .
وأمّا « اللّه » بحذف الهمزة فمختصّ بالمعبود الحقّ لم يطلق على غيره ، فاختلفوا فيه هل هو اسم أو صفة ؟
فالمختار عند جماعة من النّحاة - كالخليل وأتباعه وعند أكثر الأصوليّين والفقهاء - أنّ لفظ الجلالة ليس بمشتقّ ، وأنّه اسم علم له سبحانه لوجوه :
أحدها : أنّه لو كان مشتقّا لكان معناه معنى كلّيّا لا يمتنع نفس مفهومه من وقوع الشّركة فيه ، وحينئذ لا يكون قولنا : « لا إله إلّا اللّه » موجبا للتّوحيد المحض ولا الكافر يدخل به في الإسلام ، كما لو قال : أشهد أن لا إله إلّا الرّحيم أو إلّا الملك بالاتّفاق .
ويرد عليه أنّه يجوز أن يكون أصله الوصفيّة إلّا أنّه نقل إلى العلميّة .
والثّاني : أنّ التّرتيب العقليّ يقتضي ذكر الذّات ثمّ تعقيبه بالصّفات ، نحو : زيد الفقيه الأصوليّ النّحويّ ، ثمّ إنّا نقول : اللّه الرّحمان الرّحيم ، ولا نقول بالعكس ، فنصفه ، ولا نصف به ؛ فدلّ ذلك على أنّ اللّه اسم علم .
ويرد عليه : أنّ هذا لا يستلزم العلميّة لجواز كونه اسم جنس أو صفة غالبة ، يقوم مقام العلم في كثير من الأحكام ، ويخدشه أيضا قوله تعالى :
صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ
إبراهيم : 1 ، 2 ، في قراءة حفص .
وأجيب بأنّ قراءة حفص عند من قرأ به ليست لأجل أنّه جعله وصفا ، وإنّما هو للبيان ، كما في قولك :
مررت بالعالم الفاضل زيد .
والثّالث : قوله تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
مريم :
65 ، وليس المراد الصّفة وإلّا لزم خلاف الواقع ؛ فوجب أن يكون المراد اسم العلم ، وليس ذلك إلّا اللّه . ولقائل أن يمنع تالي شقّ الأوّل مسندا ، بأنّ المراد من الصّفة كمالها المعرّى عن شوب النّقص .
والرّابع : أنّه سبحانه يوصف بصفات مخصوصة فلابدّ له من اسم خاصّ يجري عليه تلك الصّفات ؛ إذ الموصوف إمّا أخصّ أو مساو للصّفة .
وفيه أوّلا : أنّ هذه مغالطة من باب الاشتباه بين