دليل الإجماع ، لا هو ، بناء على أنّه لا إجماع إلّا عن مستند ، فإن ظهر ، وإلّا وجب الحكم بأنّه ثابت ، على أنّ الآية الّتي أشار إليها عمر ، وهي قوله سبحانه :
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
الكهف : 29 ، يصلح لذلك . وفيه نظر فإنّه إنّما يتمّ لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه ولم يثبت .
وقال قوم : لم يسقط سهم هذا الصّنف ، وهو قول الزّهريّ وأبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام وأبي ثور . وروي ذلك عن الحسن .
وقال أحمد : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك .
وقال البعض : إنّ المؤلّفة قلوبهم : مسلمون وكفّار ، والسّاقط سهم الكفّار فقط ، وصحّح أنّه عليه السّلام كان يعطيهم من خمس الخمس الّذي كان خاصّ ماله صلى اللّه عليه وسلم .
( 10 : 122 )
رشيد رضا : أي الجماعة الّذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام ، أو التّثبّت فيه ، أو بكفّ شرّهم عن المسلمين ، أو رجاء نفعهم في الدّفاع عنهم ، أو نصرهم على عدوّ لهم ، لا في تجارة وصناعة ونحوهما .
فإنّ من يرى أنّ مخالفه في الدّين مصدر نفع له يوشك أن يوادّه ، فإن لم يوادّه لم يحادّه ، كالعدوّ الّذي يخشى ضرره ولا يرجو نفعه .
وذكر الفقهاء أنّ المؤلّفة قلوبهم قسمان : كفّار ومسلمون ، والكفّار ضربان ، والمسلمون أربعة . فمجموع الفريقين ستّة . وهذا بيانهم بالتّفصيل والاختصار .
الأوّل : قوم من سادات المسلمين وزعمائهم ، لهم نظراء من الكفّار إذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم واستشهدوا له بإعطاء أبي بكر لعديّ بن حاتم والزّبرقان بن بدر ، مع حسن إسلامهما ، لمكانتهما في أقوامهما .
الثّاني : زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين مطاعون في أقوامهم ، يرجى بإعطائهم تثبيتهم وقوّة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد وغيره ، كالّذين أعطاهم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم هوازن ، وهم بعض الطّلقاء من أهل مكّة الّذين أسلموا ، فكان منهم المنافق ، ومنهم ضعيف الإيمان ، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك ، وحسن إسلامهم .
الثّالث : قوم من المسلمين في الثّغور وحدود بلاد الأعداء ، يعطون لما يرجى من دفاعهم عمّن وراءهم من المسلمين ، إذا هاجمهم العدوّ .
وأقول : إنّ هذا العمل هو الرّابطة ، وهؤلاء الفقهاء يدخلونها في سهم سبيل اللّه كالغزو المقصود منها . وأولى منهم بالتّأليف في زماننا قوم من المسلمين يتألّفهم الكفّار ليدخلوهم تحت حمايتهم أو في دينهم ، فإنّنا نجد دول الاستعمار الطّامعة في استعباد جميع المسلمين ، وفي ردّهم عن دينهم يخصّصون من أموال دولهم سهما للمؤلّفة قلوبهم من المسلمين ، فمنهم من يؤلّفونه لأجل تنصيره وإخراجه من حظيرة الإسلام ، ومنهم من يؤلّفونه لأجل الدّخول في حمايتهم ومشاقّة الدّول الإسلاميّة أو الوحدة الإسلاميّة ، ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها ! ! أفليس المسلمون أولى بهذا منهم ؟
الرّابع : قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزّكاة ممّن لا يعطيها إلّا بنفوذهم وتأثيرهم ، إلّا أن يقاتلوا ، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخفّ