بعيرا .
وأمّا الكفّار من المؤلّفة فهو من يخشى شرّه منهم أو يرجى إسلامه ، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شرّه أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام ، فقد كان النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس ، كما أعطى صفوان بن أميّة لما كان يرى من ميله إلى الإسلام .
أمّا اليوم فقد أعزّ اللّه الإسلام فله الحمد ، وأغناه عن أن يتألّف عليه رجال فلا يعطى مشرك تألّفا بحال . وقد قال بهذا كثير من أهل العلم : إنّ المؤلّفة منقطعة ، وسهمهم ساقط . ( 3 : 91 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 420 ) ، والخازن ( 3 : 91 ) ، وابن كثير ( 3 : 412 ) ، والشّربينّي ( 1 : 623 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 277 ) ، والبروسويّ ( 3 : 453 ) ، والقاسميّ ( 8 : 318 ) .
الفخر الرّازيّ : قال الواحديّ : إنّ اللّه تعالى أغنى المسلمين عن تألّف قلوب المشركين ، فإن رأى الإمام أن يؤلّف قلوب قوم لبعض المصالح الّتي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز ، إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين . فأمّا المؤلّفة من المشركين فإنّما يعطون من مال الفيء لا من الصّدقات .
وأقول : إنّ قول الواحديّ : إنّ اللّه أغنى المسلمين عن تألّف قلوب المشركين ، بناء على أنّه ربّما يوهم أنّه عليه الصّلاة والسّلام دفع قسما من الزّكاة إليهم ، لكنّا بيّنّا أنّ هذا لم يحصل ألبتّة ، وأيضا فليس في الآية ما يدلّ على كون المؤلّفة مشركين بل قال :
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ،
وهذا عامّ في المسلم وغيره .
والصّحيح أنّ هذا الحكم غير منسوخ ، وأنّ للإمام أن يتألّف قوما على هذا الوصف ، ويدفع إليهم سهم المؤلّفة ، لأنّه لا دليل على نسخه ألبتّة . ( 16 : 111 )
القرطبيّ : لا ذكر للمؤلّفة قلوبهم في التّنزيل في غير قسم الصّدقات ، وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممّن يظهر الإسلام ، يتألّفون بدفع سهم من الصّدقة إليهم لضعف يقينهم . [ ثمّ نقل أقسام المؤلّفة قلوبهم واختلاف الفقهاء في بقائهم وعدمه ] ( 8 : 178 )
البروسويّ : هم الّذين تتألّف قلوبهم بذكر اللّه إلى اللّه ، المتقرّبون إليه بالتّباعد عمّا سواه . ( 3 : 455 )
العامليّ : واعلم أنّ الّذي يظهر من كلام بعض الأصحاب على وفق بعض الأخبار أنّ المؤلّفة قلوبهم شامل لضعفاء الدّين والمنافقين من هذه الأمّة ، كما في « الكافي » عن الباقر عليه السّلام ، قال : « المؤلّف قلوبهم لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم » - وسيأتي تفصيل الكلام في سورة التّوبة - فعلى هذا يمكن تأويل المؤلّفة بمن ينبغي مداراته أو إيناسه ، وجلب قلبه بالعطايا الماليّة والمراعاة الظّاهريّة وإراءة المحسّنات الدّينيّة ، حتّى يعرف الحقّ كما ينبغي ، ويثبت عليه ، كما يؤيّد هذا ما سيأتي في « الأذن » وغيرها من الأعضاء فيه أيضا ، مع ما سيأتي في « الخرطوم » فتأمّل . ( 76 )
الآلوسيّ : [ لخّص كلام البغويّ . ثمّ ذكر دليل من قال بسقوط سهم المؤلّفة قلوبهم وأضاف : ]
وتعقّبه ابن الهمام بأنّ هذا لا ينفي النّسخ ، لأنّ إباحة الدّفع إليهم حكم شرعيّ كان ثابتا ، وقد ارتفع .
وقال بعض المحقّقين : إنّ ذلك نسخ ، ولا يقال : نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصّحيح ، لأنّ النّاسخ