تصوّر حصول خير من المحبوب ، ثمّ إن كان سبب انعقاد المحبّة أمرا سريع التّغيّر كالمال أو الجاه أو اللّذّة الجسمانيّة كانت تلك المحبّة بصدد الزّوال والاضمحلال ، فالمعشوق يريد العاشق لماله ، والعاشق يحبّ المعشوق لاستيفاء لذّة بهيميّة ، فمهما حصل مرادهما كانا متحابّين ، ومتى لم يحصل عادا متباغضين ، وإن كان سبب انعقاد المودّة كمالا حقيقيّا روحانيّا دائما ، لم يتصوّر لها تغيّر وزوال .
ثمّ إنّ العرب كانوا قبل مقدم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم مقبلين على المفاخرة والتّسابق في المال والجاه والتّعصّب والتّفرّق ، فلا جرم كانوا متحابّين تارة ومتباغضين أخرى ، فلمّا جاءهم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم دعاهم إلى عبادة اللّه تعالى والإعراض عن الدّنيا ، والإقبال على تحصيل السّعادة الأبديّة الرّوحانيّة توحّد مطلبهم ، وصاروا إخوانا متراحمين متحابّين في اللّه وللّه . ( 10 : 21 )
أبو حيّان : « المؤمنون » هنا الأوس والخزرج ، وكان بين الطّائفتين من العداوة للحروب الّتي جرت بينهم ما كان لولا الإسلام لينقضي أبدا ، ولكنّه تعالى منّ عليهم بالإسلام فأبدلهم بالعداوة محبّة وبالتّباعد قربا ، ومعنى
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبّة بعضها بعضا ، وكونها في « الأوس والخزرج » تظاهر به أقوال المفسّرين . [ ثمّ نقل قول الزّمخشريّ وقال : ]
وكلامه آخرا قريب من كلام أهل السّنّة ، لأنّهم قالوا : في هذه الآية دليل على أنّ العقائد والإرادات والكراهات من خلق اللّه ، لأنّ ما حصل من الألف هو بسبب الإيمان ومتابعة الرّسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلو كان الإيمان فعلا للعبد لكانت المحبّة المترتّبة عليه فعلا للعبد ، وذلك خلاف صريح الآية .
وقال القاضي : لولا ألطاف اللّه تعالى ساعة ساعة ما حصلت هذه الأحوال ، فأضيفت إلى اللّه على هذ التّأويل ، ونظيره أنّه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه لأجل أنّه لم يحصل ذلك إلّا بمعونة الأب وتربيته ، فكذلك هنا انتهى . وهذا هو مذهب المعتزلة . ( 4 : 514 )
رشيد رضا :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
الأنفال : 62 ، من المهاجرين والأنصار ، وروي أنّ المراد بهم الأنصار ، بدليل قوله :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
أي بعد التّفرّق والتّعادي الّذي رسخ بالحرب الطّويلة والضّغائن الموروثة ، وجمعهم على الإيمان بك ، وبذل النّفس والنّفيس في مناصرتك .
قال أصحاب القول الثّاني : كان هذا بين الأوس والخزرج من الأنصار ، ولم يكن منه شيء بين المهاجرين ، أي وفيهم نزلت :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
آل عمران : 103 ، ولكن هذا لا يمنع إرادة مجموع المهاجرين والأنصار ، فقد كانوا بنعمته إخوانا ، لم يقع بينهم تحاسد ولا تعاد كما هو شأن البشر في مثل هذا الشّأن ، كما ألّف بين الأوس والخزرج فكانوا بنعمته إخوانا ، بعد طول العداء والعدوان . وقد كاد يقع التّغاير بين المهاجرين والأنصار عند قسمة الغنائم في حنين ، فكفاهم اللّه شرّ ذلك بفضله وحكمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . [ إلى أن قال : ]