تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
أمّا الأنصار فلأنّ الأضغان الموروثة وأوتار الدّماء المسفوكة وحميّة الجاهليّة الرّاسخة ، لا تزول بالأعراض الدّنيويّة العارضة ، وإنّما تزول بالإيمان الصّادق الّذي هو مناط سعادة الدّنيا والآخرة . وأمّا المهاجرون فلأنّ التّأليف بين غنيّهم وفقيرهم وسادتهم ومواليهم وأشرافهم ودهمائهم على ما كان فيهم من كبرياء الجاهليّة ، وجمع كلمتهم على احتمال عداوة بيوتهم وعشائرهم وحلفائهم في سبيل اللّه ، لم يكن كلّه ممّا يمكن نيله بالمال وآمال الدّنيا ، ولم يكن في يد الرّسول صلى اللّه عليه وسلم شيء منهما في أوّل الإسلام ، ولكن صار بيده في المدينة شيء عظيم منهما بنصر اللّه له في قتال المشركين واليهود جميعا . وأمّا مجموع المهاجرين والأنصار فقد كان اجتماعهما لولا فضل اللّه وعنايته مدعاة التّحاسد والتّنازع ، لما سبق لهما من عصبيّة الجاهليّة وما كان لدى المهاجرين من مزيّة قرب الرّسول والسّبق إلى الإيمان به ، وما لدى الأنصار من المال والقوّة وإنقاذ الرّسول والمهاجرين جميعا من ظلم قومهم ، ومن المنّة عليهم بإيوائهم ومشاركتهم في أموالهم ، وفي هذا وذاك من دواعي التّغاير والتّحاسد مالا يمكن أن يزول بالأسباب الدّنيويّة . [ وللكلام تتمّة فراجع ] ( 10 : 70 ) نحوه المراغيّ . ( 10 : 27 ) الطّباطبائيّ : أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكّل عليه ؛ أنّه كفى نبيّه صلّى اللّه عليه واله بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكر تأييده بهم . والكلام مطلق ، والملاك المذكور فيه عامّ يشمل جميع المؤمنين ، وإن كانت الآية أظهر انطباقا على الأنصار ؛ حيث أيّد اللّه بهم نبيّه صلّى اللّه عليه واله فآووه ونصروه ، وألّف اللّه سبحانه بدينه بينهم أنفسهم . وقد نشبت فيهم الحروب المبيدة ، وكانت قائمة على ساقها دهرا طويلا ، وهي حرب « بغاث » بين الأوس والخزرج ، حتّى اصطلحوا بنزول الإسلام في دارهم ، وأصبحوا بنعمته إخوانا . وقد امتنّ اللّه بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبيّن أهمّيّة موقعه بمثل قوله :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
الأنفال : 63 . وذلك أنّ الإنسان مفطور على حبّ النّعم الحيويّة الّتي تتمّ بها حياته ، لا بغية له دونها ، ولا يريد في الحقيقة شيئا ، ولا يقصده إلّا لينتفع به في نفسه . و ( ما ) ربّما يلوح أنّه يريد نفعا عائدا إلى غيره ، فالتّأمّل الدّقيق يكشف عن اشتماله على نفع عائد إليه نفسه ، وإذ كان يحبّ الوجدان فهو يبغض الفقدان . وبهذين الوصفين الغريزيّين - أعني الحبّ والبغض - يتمّ له أمر الحياة ، ولو أنّه أحبّ كلّ شيء ، ومنها الأضداد والمتناقضات ، لبطلت الحياة ، ولو أنّه أبغض كلّ شيء حتّى المتنافيات ، لبطلت الحياة . وقد فطره اللّه سبحانه على الحياة الاجتماعيّة ، لقصور ما عنده من القوى والأدوات ، عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريّات حياته . ومن الضّروريّ أنّ الاجتماع لا يتمّ إلّا باختصاص كلّ فرد بما يحرم عنه آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال ، أو كلّ ما يتنافس فيه الطّباع الإنسانيّ ، أو يتعلّق به الهوى النّفسانيّ ، على اختلاف فيه