تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
بالزّيادة والنّقيصة . وهذا أوّل ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب ، والشّحّ في النّفوس ، ثمّ ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظّلم والعدوان ، وبغي البعض على البعض في دم أو عرض أو مال أو غير ذلك ، ممّا يتنعّمون به ويتنافسون فيه ويعملون لأجله ، تثير في داخل نفوسهم كلّ بغضاء وشنآن . وهذا كلّه أوصاف وغرائز باطنيّة في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم وتتلاقى في أفعالهم ويماسّ بعضها بعضا بينهم في مسير حياتهم ، وفيه البلوى الّتي تتعقّب الفتن والمصائب الاجتماعيّة الّتي تبيد النّفوس وتهلك الحرث والنّسل ، وقد شهدت بذلك الحوادث الجارية على توالي القرون والأجيال . ومهما ظنّت الأمم المجتمعة أنّ بغيتها في اجتماعها هي التّمتّع من العيشة المادّيّة المحدودة بالحياة الدّنيويّة ، فلا سبيل إلى قلع مادّة هذا الفساد من أصلها ، وقطع منابته . فإنّ الدّار دار التّزاحم ، والمجتمع قائم على قاعدة الاختصاص ، والنّفوس مختلفة في الاستعداد ، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثّرة ، والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم . قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
المعارج : 19 - 21 ، وقال :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
يوسف : 53 ، وقال :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
هود : 118 ، 119 ، إلى غير ذلك من الآيات . وغاية ما يمكن الإنسان في بسط الألفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبّون من مال أو جاه أو سائر النّعم الدّنيويّة المحبوبة عندهم ، غير أنّه إنّما ينفع في موارد جزئيّة خاصّة . وأمّا العداوة والبغضاء العامّتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النّعمة ، فإنّه لا يبطل غريزة الاستزادة والشّحّ الملتهب في كلّ نفس ممّا يشاهد من المزايا الحيويّة عند غيره ، على أنّ من النّعم مالا يقبل إلّا الاختصاص والانفراد كالملك والرّئاسة العالية ، وأمور أخرى تجري مجراهما ، حتّى أنّ الأمم الرّاقية ذوي المدنيّة والحضارة لم يتمكّنوا من معالجة هذا الدّاء إلّا بما يزول به بعض شدّته ، ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه . وأمّا البغضاءات المتعلّقة بالأمور الّتي تختصّ به بعض مجتمعهم كالرّئاسة والملك فهي على حالها تتّقد بشررها القلوب ، ولا يزال يأكل بعضها بعضا على أنّ ذلك ينحصر فيما بينهم . وأمّا المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبأ بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيويّة إلّا بما يوافق منافع أولئك ، وإن أعيتهم طوارق البلاء وعفاهم الدّهر بالعناء . وقد منّ اللّه على الأمّة الإسلاميّة ، إذ أزال الشّحّ عن نفوسهم وألّف بين قلوبهم بمعرفة إلهيّة ، علّمه إيّاهم وبثّه فيما بينهم ببيان ، أنّ الحياة الإنسانيّة حياة خالدة غير محصورة في هذه الأيّام القلائل الّتي ستفنى ، ويبقى الإنسان ولا خبر عنها ، وإنّ سعادة هذه الحياة الدّائمة غير التّمتّع بلذائذ المادّة والرّعي في كلا الخسّة ، بل هي حياة واقعيّة وعيشة حقيقيّة يحيا ويعيش بها الإنسان