في كرامة عبوديّة اللّه سبحانه ويتنعّم بنعم القرب والزّلفى ، ثمّ يتمتّع بما تيسّر له من متاع الحياة الدّنيا ، ممّا ساقه إليه الحظّ والاكتساب عارفا بحقوق النّعمة ، ثمّ ينتقل إلى جوار اللّه ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصّالحين من عباده ، ويحيا حقّ الحياة . قال تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
الرّعد : 26 ، وقال تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
العنكبوت : 64 .
وقال :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى
النّجم : 29 ، 30 .
فعلى المسلم أن يؤمن بربّه ويتربّى بتربيته ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما عند ربّه ، فإنّما هو عبد مدبّر لا يملك ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلّا بربّه الّذي بيده الخير والشّرّ والنّفع والضّرّ والغنى والفقر والموت والحياة ، وكان عليه أن يسير مسير الحياة بالعلم النّافع والعمل الصّالح ، فما سعد به من مزايا الحياة الدّنيا فموهبة من عند ربّه ، وما حرم منه احتسب عند ربّه أجره ، وما عند اللّه خير وأبقى .
وليس هذا من إلغاء الأسباب في شيء ولا إبطالا للفطرة الإنسانيّة الدّاعية إلى العمل والاكتساب ، النّادبة إلى التّوسّل بالفكر والإرادة المحرضة إلى الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل ، الموصلة إلى المقاصد الإنسانيّة والأغراض الصّحيحة الحيويّة .
وإذا تسنّن المسلمون بهذه السّنّة الإلهيّة ، وحوّلوا هوى قلوبهم عن ذلك التّمتّع المادّي الّذي ليس إلّا بغية حيوانيّة وغرضا مادّيّا إلى هذا التّمتّع المعنويّ الّذي لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده ، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء ، وخلصت نفوسهم من الشّحّ والرّين ، وأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا وأفلحوا حقّ الفلاح ، قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
آل عمران : 102 ، 103 . وقال :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الحشر : 9 . ( 9 : 118 )
فضل اللّه :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ،
في ما أودعه فيها من عناصر المودّة والرّحمة ، والشّعور بالمسؤوليّة الإنسانيّة الرّوحيّة ، على أساس الإيمان النّابض بالمحبّة والحياة وحتّى تحوّلت كلّ تلك المجموعات المتنافرة في ذاتها ، المختلفة في طبيعتها ، إلى وحدة روحيّة إيمانيّة تماما كما عبّر اللّه عنهم
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
الفتح : 29 ، وكما قال عنهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسّهر والحمّى » .
وتلك هي الإلفة الّتي يرعاها اللّه برعايته ، ويشملها بلطفه ، فإنّها تنمو من خلال الينابيع الرّوحيّة الّتي تتفجّر في الفكر والشّعور ، حتّى تتحوّل - في القلب وفي الرّوح - إلى نهر كبير يمتدّ في حياة المؤمنين جميعا ، في نطاق المجتمع المؤمن المتكامل الواحد .
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ