تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
و
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
ولا يفرّق بينهما . وتوهّم القوم أنّهما سورة واحدة ، لأنّهم رأوا قوله مردودا إلى كلام في سورة الفيل . وأكثر النّاس على أنّهما سورتان ، على ما في مصحفنا وإن كانتا متّصلتي الألفاظ على مذهب العرب في التّضمين . والمعنى أنّ قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليها فيه وأن يعرض لها أحد بسوء إذا خرجت منه لتجارتها ، وكانوا يقولون : قريش سكّان حرم اللّه وأهل اللّه وولاة بيته ، والحرم واحد جديب لا زرع فيه ولا ضرع ولا شجر ولا مرعى . وإنّما كانت تعيش قريش فيه بالتّجارة ، وكانت لهم رحلتان في كلّ سنة : رحلة إلى اليمن في الشّتاء ، ورحلة في الصّيف إلى الشّام . ولولا هاتان الرّحلتان لم يمكن به مقام ، ولولا الأمن بجوارهم البيت ، لم يقدروا على التّصرّف . فلمّا قصد أصحاب الفيل إلى مكّة ليهدموا الكعبة وينقلوا أحجارها إلى اليمن ، فيبنوا به هناك بيتا ينتقل به الأمن إليهم ، ويصير العزّ لهم ، أهلكهم اللّه سبحانه لتقيم قريش بالحرم ويجاوروا البيت ، فقال يذكّر نعمته :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
إلى آخر السّورة ،
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ،
أي فعل ذلك ليؤلّف قريشا هاتين الرّحلتين اللّتين بهما تعيّشهم ومقامهم بمكّة . تقول : ألفت موضع كذا ، إذا لزمته ، وآلفنيه اللّه . كما تقول : لزمت موضع كذا ، وألزمنيه اللّه . وكرّر ( لايلاف ) كما تقول في الكلام : أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كلّ النّاس ، فتكرّر الكلام للتّوكيد على ما بيّنّا في « باب التّكرار » . ( 413 ) الطّبريّ : اختلفت القّراء في قراءة
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ،
فقرأ ذلك عامّة قرّاء الأمصار بياء بعد همز ( لايلاف ) و ( ايلافهم ) سوى أبي جعفر فإنّه وافق غيره في قوله : ( لايلاف ) ، فقرأه بياء بعد همزة . واختلف عنه في قوله : ( ايلافهم ) ، فروي عنه أنّه كان يقرؤه ( الفهم ) على أنّه مصدر من : ألف يألف إلفا بغير ياء ، وحكى بعضهم عنه أنّه كان يقرؤه ( الافهم ) بغير ياء مقصورة الألف . والصّواب من القراءة في ذلك عندي من قرأه
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ
بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة ، من : آلفت الشّيء أولفه إيلافا ؛ لإجماع الحجّة من القرّاء عليه . وللعرب في ذلك لغتان : آلفت ، وألفت . فمن قال : آلفت بمدّ الألف ، قال : فأنا أؤالف إيلافا ، ومن قال : ألفت بقصر الألف ، قال : فأنا آلف إلفا ، وهو رجل آلف إلفا . وقد روي عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقرأ ( الفهم ) . واختلف أهل العربيّة في المعنى الجالب لهذه اللّام في قوله :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ،
فكان بعض نحويّيّ البصرة يقول : الجالب لها قوله :
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
الفيل : 5 ، فهي في قول هذا القائل : صلة لقوله : ( جعلهم ) . فالواجب على هذا القول أن يكون معنى الكلام : ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل نعمة منّا على أهل هذا البيت وإحسانا منّا إليهم إلى نعمتنا عليهم ، في رحلة الشّتاء والصّيف ؛ فتكون اللّام في قوله : ( لايلاف ) بمعنى « إلى » ، كأنّه قيل : نعمة لنعمة وإلى نعمة ، لأنّ « إلى » موضع