ذلك من الأسباب والعلل ، كمن يحرّم على نفسه شيئا بنذر لجاج أو يمين ، وكلّ هذا ممّا لا يزال يبتلي به كثير من المسلمين . دع ما كانت تحرّمه الجاهليّة على أنفسها من الأنعام أو نسلها تكريما لكثرة نتاجها ، أو تعظيما لصنم تسيّبها له . ( 7 : 27 )
الطّباطبائيّ : ظاهر العطف ، أعني انعطاف قوله :
( وكلوا ) على قوله : ( لا تحرّموا ) أن يكون مفاد هذه الآية بمنزلة التّكرار والتّأكيد لمضمون الآية السّابقة ، ( المائدة : 87 ) ، ويؤيّده سياق صدر الآية من حيث اشتماله على قوله : ( حلالا طيّبا ) وهو يحاذي قوله في الآية السّابقة
طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ . . .
المائدة : 87 ، وكذا ذيلها من حيث المحاذاة الواقعة بين قوله فيه :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . . .
المائدة : 57 ، وقوله في الآية السّابقة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . .
المائدة : 57 ، وعلى هذا فقوله : ( كلوا ) من قبيل ورود الأمر عقيب الحظر .
وتخصيص قوله : ( كلوا ) بعد تعميم قوله :
لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ
إمّا تخصيص بحسب اللّفظ فقط ، والمراد بالأكل مطلق التّصرّف فيما رزقه اللّه تعالى من طيّبات نعمه ، سواء كان بالأكل بمعنى التّغذّي أو بسائر وجوه التّصرّف ، وقد تقدّم مرارا أنّ استعمال الأكل بمعنى مطلق التّصرّف استعمال شائع ذائع .
وإمّا أن يكون المراد - ومن الممكن ذلك - الأكل بمعناه الحقيقيّ ، ويكون سبب نزول الآيتين تحريم بعض المؤمنين في زمن النّزول المأكولات الطّيّبة على أنفسهم ، فتكون الآيتان نازلتين في النّهي عن ذلك ، وقد عمّم النّهي في الآية الأولى للأكل وغيره إعطاء للقاعدة الكلّيّة ، لكون ملاك النّهى يعمّ محلّات الأكل وغيرها على حدّ سواء . ( 6 : 109 )
8 -
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . . .
الأعراف : 31
الكلبيّ : معناه كلوا من اللّحم والدّسم واشربوا من الألبان ، وكانوا يحرّمون جميع ذلك في الإحرام
( أبو حيّان 4 : 290 )
السّدّيّ : كلوا من البحيرة وأخواتها .
( أبو حيّان 4 : 290 )
أبو حيّان : الظّاهر أنّه أمر بإباحة الأكل والشّرب من كلّ ما يمكن أن يؤكل أو يشرب ممّا يحظر أكله وشربه في الشّريعة ، وإن كان النّزول على سبب خاصّ كما ذكروا من امتناع المشركين من أكل اللّحم والدّسم أيّام إحرامهم ، أو بني عامر دون سائر العرب من ذلك . ( 4 : 290 )
السّيوطيّ : قال بعضهم : جمع اللّه الحكمة في شطر آية
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . .
( 3 : 184 )
فضل اللّه :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ،
فاللّه أراد للإنسان أن يأكل ، لأنّ الأكل حاجة طبيعيّة للجسد ، ليستمرّ في قوّته الّتي تمدّه بالحياة وأراد له أن يشرب للسّبب نفسه . وإذا كان الأكل والشّرب مطلوبين من موقع الحاجة ، فمن الطّبيعيّ أن تتقدّر الحاجة بالمقدار الّذي يحقّق الاكتفاء للجسد ، لأنّ الزّيادة عنه تثقل الجسد بما لا يحتاجه ، فيسيء إلى توازنه وقوّته .
ولهذا جاء النّهي عن الإسراف في الأكل والشّرب ، مراعاة لجانب السّلامة في حياة الإنسان ، وللحصول على رضا اللّه ومحبّته ، لأنّ اللّه لا يحبّ للإنسان أن