يتجاوز الحدود الطّبيعيّة لحاجاته في الحياة ، بل يريد له أن يكون متوازنا في كلّ شيء ، ممّا يجعل من الالتزام بذلك عملا دينيّا يقرّبه إلى اللّه . والعكس صحيح ، لأنّ الإنسان ملك اللّه ، فلا يحبّ أن يتصرّف أحد في ملكه بما يسيء إليه ، سواء في ذلك ما يتعلّق بنفسه أو بالآخرين .
وهنا يكمن الفرق بين المبادئ الوضعيّة وبين التّشريع الدّينيّ ، فإنّ تلك المبادئ تترك للإنسان الحرّيّة في ممارسة حياته الخاصّة ، بقطع النّظر عن نوعيّة الممارسة ، بينما يؤكّد التّشريع الدّينيّ على ضرورة تقييد هذه الحرّيّة ، لمصلحة حياة الإنسان ، وحمايته من نفسه . ( 10 : 96 )
9 -
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
الملك : 15
البروسويّ : والتمسوا من نعم اللّه تعالى فيها من الحبوب والفواكه ونحوها . والأمر إن كان أمر إباحة فالرّزق ما يكون حلالا ، وإن كان خبرا في صورة الأمر بمعنى تأكلون فيجوز أن يكون شاملا للحرام أيضا ، فإنّه من رزقه أيضا وإن كان التّناول منه حراما ( 10 : 89 )
الآلوسيّ : انتفعوا بما أنعم جلّ شأنه . وكثيرا ما يعبّر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنّه الأهمّ الأعمّ . وفي « أنوار التّنزيل » ، أي التمسوا من نعم اللّه سبحانه وتعالى على أنّ الأكل مجاز عن الالتماس من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللّازم . قيل : وهو المناسب لقوله تعالى : ( فامشوا ) .
وجوّز بعض إبقاءه على ظاهره ، على أنّ ذلك من قبيل الاكتفاء ، وليس بذاك . [ إلى أن قال : ]
والمشهور أنّ الأمر في الموضعين للإباحة ، وجوّز كونه لمطلق الطّلب ، لأنّ من المشي وما عطف عليه ما هو واجب كما لا يخفى . ( 29 : 15 )
10 -
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ . . .
الحاقّة : 24
الطّوسيّ : صورته صورة الأمر والمراد به الإباحة .
كما قال :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا . . .
المائدة : 2 .
وقال قوم : إنّه أمر على الحقيقة ، لأنّ اللّه يريد من أهل الجنّة الأكل والشّرب لما لهم في ذلك من زيادة السّرور إذا علموا ذلك ، وإنّما لا يريد ذلك في الدّنيا ، لأنّه عبث لا فائدة فيه . ( 10 : 102 )
الفخر الرّازيّ : والمعنى يقال لهم ذلك ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : منهم من قال قوله : ( كلوا ) ليس بأمر إيجاب ولا ندب ، لأنّ الآخرة ليست دار تكليف ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون ندبا ، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان ، وإدخال السّرور في قلبه .
المسألة الثّانية : إنّما جمع الخطاب في قوله : ( كلوا ) بعد قوله :
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
الحاقّة : 21 ، لقوله :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
الحاقّة : 19 ، و ( من ) مضمّن معنى الجمع . . .
( 30 : 112 )
فضل اللّه : وإذا كان الحديث عن الأكل والشّرب ، فإنّ المسألة لا تقتصر عليهما ، لأنّ السّعادة الرّوحيّة الّتي يمنحهم اللّه إيّاها في رضوانه ولطفه ومحبّته ، لا يبلغها شيء ممّا يعرفه النّاس من مشاعر السّعادة ، ولكن مناسبة الحديث عن الجنّة يوحي بالحديث عن النّعيم الحسّيّ المتمثّل بالأكل والشّرب . ( 23 : 75 )