11 -
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
المرسلات : 43
الفخر الرّازيّ : اختلف العلماء في أنّ قوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا . . .
أمر أو إذن ، قال أبو هاشم : هو أمر ، وأراد اللّه منهم الأكل والشّرب ، لأنّ سرورهم يعظم بذلك ، وإذا علموا أنّ اللّه أراده منهم جزاء على عملهم فكما يريد إجلالهم وإعظامهم بذلك ، فكذلك يريد نفس الأكل والشّرب معهم .
وقال أبو عليّ : ذلك ليس بأمر ، وإنّما يريد بقوله على وجه الإكرام ، لأنّ الأمر والنّهي إنّما يحصلان في زمان التّكليف ، وليس هذا صفة الآخرة . ( 30 : 283 )
الطّباطبائيّ : مفاده الإذن والإباحة ، وكأنّ الأكل والشّرب كناية عن مطلق التّنعّم بنعم الجنّة والتّصرّف فيها ، وإن لم يكن بالأكل والشّرب ، وهو شائع ، كما يطلق أكل المال على مطلق التّصرّف فيه . ( 20 : 155 )
12 -
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ .
المرسلات : 46
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ هذا هو النّوع التّاسع من أنواع تخويف الكفّار ، كأنّه تعالى يقول للكافر حال كونه في الدّنيا : إنّك إنّما عرضت نفسك لهذه الآفات الّتي وصفناها ولهذه المحن الّتي شرحناها ، لأجل حبّك للدّنيا ورغبتك في طيّباتها وشهواتها ، إلّا أنّ هذه الطّيّبات قليلة بالنّسبة إلى تلك الآفات العظيمة ، والمشتغل بتحصيلها يجري مجرى لقمة واحدة من الحلواء ، وفيها السّمّ المهلك . فإنّه يقال لمن يريد أكلها ولا يتركها بسبب نصيحة النّاصحين وتذكير المذكّرين : كل هذا وويل لك منه بعد هذا فإنّك من الهالكين بسببه ، وهذا وإن كان في اللّفظ أمر إلّا أنّه في المعنى نهي بليغ وزجر عظيم ومنع في غاية المبالغة . ( 30 : 283 )
الآلوسيّ : أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك ؛ تذكيرا لما كان يقال لهم في الدّنيا . ولما كانوا أحقّاء بأن يخاطبوا به حيث تركوا الحظّ الكثير إلى النّزر الحقير ، فيفيد التّحسير والتّخسير .
وذهب أبو حيّان إلى أنّه كلام مستأنف خوطب به المكذّبون في الدّنيا ، والأمر فيه أمر تحسير وتهديد وتخسير ، ولم يعتبر التّهديد على الأوّل ، لأنّه غير مقصود في الآخرة . ورجّح بأنّه أبعد من التّعسّف وأوفق لتأليف النّظم ، وفيه نظر . والظّاهر أنّ قوله سبحانه : انكم . . .
في موضع التّعليل . وفيه دلالة على أنّ كلّ مجرم نهايته تمتّع أيّام قليلة ، ثمّ يبقى في عذاب وهلاك أبدا . ( 29 : 178 )
الطّباطبائيّ : الخطاب من قبيل قولهم : افعل ما شئت فإنّه لا ينفعك ، وهذا النّوع من الأمر إياس للمخاطب أن ينتفع بما يأتي به من الفعل للحصول على ما يريده . ومنه قوله :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
طه : 72 ، وقوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . .
فصّلت : 40 .
فقوله :
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا . . .
أي تمتّعا قليلا أو زمانا قليلا إياس لهم من أن ينتفعوا بمثل الأكل والتّمتّع في دفع العذاب عن أنفسهم ، فليأكلوا وليتمتّعوا قليلا فليس يدفع عنهم شيئا .
وإنّما ذكر الأكل والتّمتّع ، لأنّ منكري المعاد لا يرون