أبو حيّان : تقدّم الكلام على نظير هذه الجملة في قصّة آدم في قوله :
وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما . .
البقرة : 35 . إلّا أنّ هناك العطف بالواو وهنا بالفاء ، وهناك تقديم الرّغد على الظّرف ، وهنا تقديم الظّرف على الرّغد ، والمعنى فيهما واحد ، إلّا أنّ الواو هناك جاءت بمعنى الفاء ، قيل : وهو المعنى الكثير فيها ، أعني أنّه يكون المتقدّم في الزّمان والمعطوف بها هو المتأخّر في الزّمان وإن كانت قد ترد بالعكس وهو قليل ، وللمعيّة والزّمان وهو دون الأوّل ، ويدلّ أنّها بمعنى الفاء ما جاء في الأعراف من قوله : ( فكلا ) بالفاء ، والقضيّة واحدة .
وأمّا تقديم الرّغد هناك فظاهر فإنّه من صفات الأكل أو الآكل ، فناسب أن يكون قريبا من العامل فيه ولا يؤخّر عنه ويفصل بينهما بظرف ، وإن لم يكن فاصلا مؤثّرا المنع لاجتماعهما في المعموليّة لعامل واحد ، وأمّا هنا فإنّه أخّر لمناسبة الفاصلة بعده ، ألا ترى أنّ قوله :
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً
وقوله :
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً . . .
البقرة : 58 ، فهما سجعتان متناسبتان ، فلهذا - واللّه أعلم - كان هذان التّركيبان على هذين الوضعين . ( 1 : 221 )
وبهذا المعنى جاء
وَكُلُوا مِنْها
في سورة الأعراف : 161 .
3 -
. . . كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ . . .
البقرة : 60
الفخر الرّازيّ : ففيه حذف ، والمعنى فقلنا لهم أو قال لهم موسى :
( كُلُوا وَاشْرَبُوا )
، وإنّما قال : ( كلوا ) لوجهين :
أحدهما : لما تقدّم من ذكر المنّ والسّلوى ، فكأنّه قال : كلوا من المنّ والسّلوى الّذي رزقكم اللّه بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء .
والثّاني : أنّ الأغذية لا تكون إلّا بالماء ، فلمّا أعطاهم الماء فكأنّه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب . ( 3 : 97 )
أبو حيّان : وبدئ بالأكل لأنّه المقصود أوّلا وثنّي بالشّرب لأنّ الاحتياج إليه حاصل عن الأكل ، ولأنّ ذكر « المنّ والسّلوى » متقدّم على « انفجار الماء » .
( 1 : 230 )
نحوه الآلوسيّ . ( 1 : 271 )
رشيد رضا : فعبّر عن الحال الماضية بالأمر ليستحضر سامع الخطاب أولئك القوم في ذهنه ويتصوّر اغتباطهم بما هم فيه حتّى كأنّهم حاضرون الآن ، والخطاب يوجّه إليهم . وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن الّتي لا تجارى ولا تمارى . ( 1 : 326 )
نحوه المراغيّ . ( 1 : 129 )
4 -
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً . .
البقرة : 168
أبو البركات : ( كلوا ) أصله : أأكلوا ، فاجتمع همزتان : همزة أصليّة وهمزة اجتلبت لئلّا يبتدأ بالسّاكن ، فاستثقلوا اجتماعهما ، فحذفوا إحداهما ؛ وكان حذف الهمزة الأصليّة أولى من المجتلبة ، لأنّ المجتلبة دخلت لمعنى والأصليّة لم تدخل لمعنى ، فكان حذفها أولى . فلمّا حذفت الأصليّة استغني عن المجتلبة ، لأنّها دخلت لئلّا يبتدأ بالسّاكن وهي الهمزة الأصليّة وقد حذفت ، فاستغني عنها لزوال السّاكن الّذي اجتلبت من