الحركة ، وإنّما الّذي في البقرة من السّكون الّذي معناه الإقامة ، فلم يصلح إلّا بالواو ، لأنّ المعنى : اجمع بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها . ولو كان الفاء مكان الواو لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة ، لأنّ الفاء للتّعقيب والتّرتيب ، والّذي في الأعراف من السّكنى الّذي معناها : اتّخاذ الموضع مسكنا ، لأنّ اللّه تعالى أخرج إبليس من الجنّة بقوله :
اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً . .
الأعراف : 18 ، وخاطب آدم فقال :
يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ . . ،
أي اتّخذاها لأنفسكما مسكنا
فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ،
فكانت الفاء أولى ، لأنّ اتّخاذ المسكن لا يستدعي زمانا ممتدّا ، ولا يمكن الجمع بين الاتّخاذ والأكل فيه ، بل يقع الأكل عقيبه . ( 25 )
الزّمخشريّ : أطلق لهما الأكل من الجنّة على وجه التّوسعة البالغة المزيحة للعلّة حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنّة ، حتّى لا يبقى لهما عذر في التّناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الفائتة للحصر . ( 1 : 273 )
القرطبيّ : حذفت النّون من ( كلا ) لأنّه أمر ، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال ، وحذفها شاذّ .
قال سيبويه : من العرب من يقول : أؤكل ؛ فيتمّ .
( 1 : 310 )
أبو حيّان : و ( كلا ) دليل على أنّ الخطاب لهما بعد وجود حوّاء ، لأنّ الأمر بالأكل للمعدوم فيه بعد إلّا على تقدير وجوده ، والأصل في كل : أؤكل ، الهمزة الأولى هي المجتلبة للوصل والثّانية هي فاء الكلمة ، فحذفت الثّانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ ، فوليت همزة الوصل الكاف وهي متحرّكة ، وإنّما اجتلبت للسّاكن فلمّا زال موجب اجتلابها زالت هي .
قال ابن عطيّة وغيره : وحذفت النّون من ( كلا ) للأمر ، انتهى كلامه .
وهذا الّذي ذكر ليس على طريقة البصريّين ، فإنّ فعل الأمر عندهم مبنيّ على السّكون ، فإذا اتّصل به ضمير بارز كانت حركة آخره مناسبة للضّمير ، فتقول :
كلي وكلا وكلوا ، وفي الإناث يبقى ساكنا نحو : كلن .
وللمعتلّ حكم غير هذا ، فإذا كان هكذا فقوله :
( وكلا ) لم تكن فيه نون ، فتحذف للأمر . وإنّما يكون ما ذكره على مذهب الكوفيّين حيث زعموا أنّ فعل الأمر معرّب وأنّ أصل « كل » لتأكل ثمّ عرض فيه من الحذف بالتّدريج إلى أن صار « كل » فأصل ( كلا ) لتأكلا ، وكان قبل دخول لام الأمر عليه فيه نون ؛ إذ كان أصله تأكلان ، فعلى قولهم يتمّ قول ابن عطيّة : أنّ النّون من ( كلا ) حذفت للأمر . ( 1 : 157 )
نحوه الآلوسيّ . ( 1 : 234 )
البروسويّ : أي من ثمار الجنّة ، وجّه الخطاب إليهما إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به ، فإنّ حوّاء أسوة له في الأكل بخلاف السّكنى ، فإنّها تابعة له فيها ، ثمّ معنى الأمر بهذا والشّغل به ، مع أنّه اختصّه واصطفاه وللخلافة أبداه أنّه مخلوق ، والّذي يليق بالخلق هو السّكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظّ . ( 1 : 107 )
2 -
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ . . .
الأعراف : 19