القرطبيّ : فخاطبها كما يخاطب من يعقل ، لأنّهم أنزلوها بتلك المنزلة . وكذا
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ .
قيل : كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد ، وإنّما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم . وقيل : تركوه للسّدنة . وقيل : قرّب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء ، فقال :
أَ لا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
؟ ( 15 : 94 )
النّيسابوريّ : وقوله :
أَ لا تَأْكُلُونَ . .
استهزاء بها ، وكان عندها طعام زعموا أنّها تأكل منها . وقيل :
وضع الطّعام ليبارك فيه .
وروي : أنّ سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها وينطقون عند الضّعفة عن لسانها ، يوهمون أنّها تأكل وتنطق ، وإنّما جاء في هذه السّورة :
فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
بالفاء ، وفي الذّاريات : 28 ،
قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
بغير الفاء ، لأنّه قصد من أوّل الأمر تقريع من زعم أنّها تأكل وتشرب ، وفي الذّاريات يستأنف تقديره : قرّبه إليهم فلم يأكلوها ، فلمّا رآهم لا يأكلون فقال :
فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
( 23 : 60 )
نحوه أبو حيّان . ( 7 : 366 )
الآلوسيّ : من الطّعام الّذي عندكم . وكان المشركون يضعون في أيّام أعيادهم طعاما لدى الأصنام لتبرّك عليه ، وأتى بضمير العقلاء لمعاملته عليه السّلام إيّاهم معاملتهم .
( 23 : 123 )
الطّباطبائيّ : وفي قوله :
أَ لا تَأْكُلُونَ
تأييد لما ذكروا أنّ المشركين كانوا يضعون أيّام أعيادهم طعاما عند آلهتهم .
وقوله :
أَ لا تَأْكُلُونَ ؟
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟
تكليم منه لآلهتهم وهي جماد ، وهو يعلم أنّها جماد لا تأكل ولا تنطق ، لكنّ الوجد وشدّة الغيظ حمله على أن يمثّل موقفها موقف العقلاء ، ثمّ يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين .
فنظر إليها وهي ذوات أبدان كهيئة من يتغذّى ويأكل وعندها شيء من الطّعام ، فامتلأ غيظا وجاش وجدا ، فقال :
أَ لا تَأْكُلُونَ ؟
فلم يسمع منها جوابا ، فقال :
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟
وأنتم آلهة يزعم عبّادكم أنّكم عقلاء قادرون مدبّرون لأمورهم ، فلمّا لم يسمع لها حسّا راغ عليها ضربا باليمين . ( 17 : 149 )
فضل اللّه :
فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ،
فقدحان وقت الطّعام الّذي يحتاج الأحياء إلى تناوله ، من أجل استمرار حياتهم . ( 19 : 204 )
4 -
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ . . .
المؤمن : 79 ، 80
الزّمخشريّ : فإن قلت : لم قال :
لِتَرْكَبُوا مِنْها
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها ،
ولم يقل : لتأكلوا منها ولتصلوا إلى منافع ، أو هلّا قال : منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم .
قلت : في الرّكوب ، الرّكوب في الحجّ والغزو ، وفي بلوغ الحاجة ، الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم . وهذه أغراض دينيّة إمّا واجبة أو مندوب إليها ممّا يتعلّق به إرادة الحكيم ، وأمّا الأكل وإصابة المنافع فمن