المشروعة لمّا لم تكن مذكورة هاهنا على التّفصيل صارت الآية مجملة لا محالة .
والثّاني : ما روي عن ابن عبّاس ، والحسن رضي اللّه عنهم : أنّ الباطل هو كلّ ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض ، وبهذا التّقدير لا تكون الآية مجملة ولكن قال بعضهم : إنّها منسوخة ، قالوا : لمّا نزلت هذه الآية تحرّج النّاس من أن يأكلوا عند أحد شيئا ؛ وشقّ ذلك على الخلق ، فنسخه اللّه تعالى بقوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
النّور : 61 ، وأيضا ظاهر الآية إذا فسّرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصّدقات والهبات .
ويمكن أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنّما هو تخصيص ، ولهذا روى الشّعبيّ عن علقمة عن ابن مسعود أنّه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة .
المسألة الثّالثة : قوله تعالى :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ،
يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ، لأنّ قوله : ( أموالكم ) يدخل فيه القسمان معا ، كقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
النّساء :
29 ، يدلّ على النّهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أمّا أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي اللّه ، وأمّا أكل مال غيره بالباطل فقد عدّدناه . ( 10 : 69 )
نحوه الخازن ( 1 : 428 ) ، والآلوسيّ ( 5 : 15 ) .
القرطبيّ : ومن أكل المال بالباطل بيع العربان ، وهو أن يأخذ منك السّلعة أو يكتري منك الدّابّة ويعطيك درهما فما فوقه ، على أنّه إن اشتراها أو ركب الدّابّة فهو من ثمن السّلعة أو كراء الدّابّة ، وإن ترك ابتياع السّلعة أو كراء الدّابّة فما أعطاك فهو لك ، فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيّين والعراقيّين ؛ لأنّه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة ، وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة ، وذلك باطل بإجماع ، وبيع العربان مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده ، وتردّ السّلعة إن كانت قائمة ، فإن فاتت ردّ قيمتها يوم قبضها .
[ وفي جواز بيع العربان وعدم جوازه أقوال فراجع ]
( 5 : 150 )
البروسويّ : أي لا تأخذوا ، وعبّر عن الأخذ بالأكل لأنّ المقصود الأعظم من الأموال الأكل ، فكما أنّ الأكل محرّم فكذلك سائر وجوه التّصرّفات :
أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ . . .
أي بوجه غير شرعيّ كالغصب والسّرقة والخيانة والقمار وعقود الرّبا والرّشوة واليمين الكاذبة وشهادة الزّور والعقود الفاسدة ونحوها .
( 2 : 194 )
رشيد رضا : أضاف الأموال إلى الجميع ، فلم يقل :
لا يأكل بعضكم مال بعض ، للتّنبيه على ما قرّرناه مرارا من تكافل الأمّة في حقوقها ومصالحها ، كأنّه يقول : إنّ مال كلّ واحد منكم هو مال أمّتكم ، فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنّه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه ، لأنّ المرء يدان كما يدين . هذا ما عندي .
ونقل بعض من حضر الدّرس على الأستاذ أنّه قال أيضا : إنّ في هذه الإضافة تنبيها إلى مسألة أخرى ، وهي أنّ صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله أو البذل منه للمحتاج ، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال