الثّاني : لا تأكلوه على وجه الهزء واللّعب ، مثل ما يوجد في القمار والملاهي ونحوها ، لأنّ كلّ ذلك من أكل المال بالباطل . ( 2 : 138 )
مثله الطّبرسيّ ( 1 : 282 ) ، ونحوه البغويّ ( 1 : 140 ) ، والميبديّ ( 1 : 113 ) .
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّه سبحانه كرّر هذا النّهي في مواضع من كتابه ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً . . .
النّساء :
29 ، وقال :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . .
النّساء : 10 ، وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
ثمّ قال :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . . .
ثمّ قال :
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ
البقرة : 278 ، 279 ، ثمّ قال :
وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
البقرة : 275 ، جعل آكل الرّبا في أوّل الأمر مأذونا بمحاربة اللّه ، وفي آخره معترضا للنّار .
قوله :
( لا تَأْكُلُوا )
ليس المراد منه الأكل خاصّة ، لأنّ غير الأكل من التّصرّفات كالأكل في هذا الباب ، لكنّه لمّا كان المقصود الأعظم من المال إنّما هو الأكل ، وقع التّعارف فيمن ينفق ماله أن يقال : إنّه أكله ؛ فلهذا السّبب عبّر اللّه تعالى عنه بالأكل . ( 5 : 129 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 2 : 136 )
أبو حيّان : المفهوم من قوله تعالى :
( لا تَأْكُلُوا : )
الأكل المعروف ، لأنّه الحقيقة . وذكره دون سائر وجوه الاعتداء والاستيلاء ، لأنّه أهمّ الحوائج ، وبه يقع إتلاف أكثر الأموال .
ويجوز أن يكون « الأكل » هنا مجازا ، عبّر به عن الأخذ والاستيلاء . وهذا الخطاب والنّهي للمؤمنين وإضافة الأموال إلى المخاطبين ، والمعنى : ولا يأكل بعضكم مال بعض ، كقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
النّساء : 29 ، أي لا يقتل بعضكم بعضا ؛ فالضّمير الّذي للخطاب يصحّ لكلّ واحد ممّن تحتمه أن يكون منهيّا ومنهيّا عنه وآكلا ومأكولا منه ، فخلط الضّمير لهذه الصّلاحيّة ، وكما يحرم أن يأكل يحرم أن يؤكل غيره ؛ فليست الإضافة إذ ذاك للمالكين حقيقة بل هي من باب الإضافة بالملابسة .
وأجاز قوم الإضافة للمالكين . وفسّروا « الباطل » بالملاهي والقيان والشّرب . والبطالة بينكم معناه في معاملاتكم وأماناتكم ، لقوله : تريدونها بينكم بالباطل .
قال الزّجّاج : بالظّلم ، وقال غيره : بالجهة الّتي لا تكون مشروعة ، فيدخل في ذلك الغصب والنّهب والقمار وحلوان الكاهن والخيانة والرّشوة ، وما يأخذه المنجّمون ، وكلّ ما لم يأذن في أخذه الشّرع .
قال ابن عطيّة : ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما يبيع ، لأنّ الغبن كأنّه وهبة ، انتهى .
وهو صحيح ، والنّاصب للظّرف ( تأكلوا ) ، والبينيّة مجاز ؛ إذ موضوعها أنّها ظرف مكان . ثمّ تجوّز فيها فاستعملت في أشخاص ، ثمّ بيّن المعاني .
وفي قوله : ( بينكم ) يقع لما هم يتعاطونه من ذلك ، لأنّ ما كان يطّلع فيه بعضهم على بعض من المنكر أشنع ممّا لا يطّلع فيه بعضهم على بعض . وهذا يرجّح القول الأوّل بأنّ الإضافة ليست للمالكين ؛ إذ لو كانت ذلك لما احتيج إلى هذا الظّرف الدّالّ على التّخلّل والاطّلاع على