وأمّا ما ذكره من تقديم الأموال إليهم لتزهّدهم ، وكذا تخصيصهم بأوقاف ووصايا ومبرّات عامّة ، فليس بمعدود من أكل المال بالباطل ، وكذا ما ذكره من أكل الرّبا والسّحت فقد نسبه تعالى في كلامه إلى عامّة قومهم ، كقوله تعالى :
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ . . .
النّساء : 161 ، وقوله :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . . .
المائدة : 42 . وإنّما كلامه تعالى في الآية الّتي نحن فيها فيما يخصّ أحبارهم ورهبانهم من أكل المال بالباطل لا ما يعمّهم وعامّتهم .
إلّا أنّ الحقّ أنّ زعماء الأمّة الدّينيّة ومربّيهم في سلوك طريق العبوديّة المعتنين بإصلاح قلوبهم وأعمالهم إذا انحرفوا عن طريق الحقّ إلى سبيل الباطل كان جميع ما أكلوه لهذا الشّأن واستدرّوه من منافعه سحتا محرّما لا يبيحه لهم شرع ولا عقل . ( 9 : 247 )
تأكلوا
1 -
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
البقرة : 188
ابن عبّاس : هذا في الرّجل يكون عليه مال ولا بيّنة عليه ، فيجحد المال ويخاصم صاحبه ، وهو يعلم أنّه آثم . ( أبو حيّان 2 : 56 )
هو أخذ المال بشهادة الزّور . ( أبو حيّان 2 : 56 )
عكرمة : هو الرّجل يشتري السّلعة ، فيردّها ويردّ معها دراهم . ( أبو حيّان 2 : 56 )
الإمام الباقر عليه السّلام : يعني باليمين الكاذبة يقتطعون بها الأموال . ( الطّوسيّ 2 : 138 )
الإمام الصّادق عليه السّلام : كانت قريش تتقامر الرّجل بأهله وماله فنهاهم اللّه عن ذلك . ( العروسيّ 1 : 175 )
الطّبريّ : يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل ، فجعل تعالى ذكره بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل ، ونظير ذلك قوله تعالى :
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
الحجرات : 11 ، وقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
النّساء : 29 ، بمعنى لا يلمز بعضكم بعضا ولا يقتل بعضكم بعضا ، لأنّ اللّه تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة ، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ، ولامزه كلامز نفسه . وكذلك تفعل العرب تكنّي عن أنفسها بأخواتها ، وعن أخواتها بأنفسها ؛ فتقول : أخي وأخوك أيّنا أبطش ؟ تعني أنا وأنت نصطرع فننظر أيّنا أشدّ ، فيكنّي عن نفسه بأخيه ، لأن أخا الرّجل عندها كنفسه . [ ثمّ استشهد بشعر ]
فتأويل الكلام : ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل . وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الّذي أباحه اللّه لآكليه . ( 2 : 183 )
الطّوسيّ : قيل في معناه قولان :
أحدهما : أن يكون ذلك على جهة الظّلم ، نحو الخيانة ، والسّرقة ، والغصب . ويكون التّقدير : لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل كأكل مال نفسه بالباطل ، ومثله :
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
الحجرات : 11 ، ومعناه لا يلمز بعضكم بعضا .
وقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . .
النّساء : 29 ، والمعنى لا يقتل بعضكم بعضا .