تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
الآية السّابقة كالتّوضيح لقوله فيها :
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
التّوبة : 29 . أمّا إيضاح قوله تعالى :
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . .
بقوله :
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
التّوبة : 34 ، فهو إيضاح بأوضح المصاديق وأهمّها تأثيرا في إفساد المجتمع الإنسانيّ الصّالح ، وإبطال غرض الدّين . فالقرآن الكريم يعدّ لأهل الكتاب - وخاصّة لليهود - جرائم وآثاما كثيرة ، مفصّلة في سورة البقرة ، والنّساء ، والمائدة وغيرها ، لكنّ الجرائم والتّعدّيات الماليّة شأنها غير شأن غيرها ، وخاصّة في هذا المقام الّذي تعلّق الغرض بإفساد أهل الكتاب المجتمع الإنسانيّ الصّالح لو كانوا مبسوطي اليد ، واستقلالهم الحيويّ قائما على ساق ، ولا مفسد للمجتمع مثل التّعدّي الماليّ . فإنّ أهمّ ما يقوم به المجتمع الإنسانيّ على أساسه هو الجهة الماليّة الّتي جعل اللّه لهم قياما ؛ فجلّ المآثم والمساوئ والجنايات والتّعدّيات والمظالم تنتهي بالتّحليل ، إمّا إلى فقر مفرط يدعو إلى اختلاس أموال النّاس بالسّرقة وقطع الطّرق وقتل النّفوس والبخس في الكيل والوزن والغصب وسائر التّعدّيات الماليّة ، وإمّا إلى غنى مفرط يدعو إلى الإتراف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن ، والاسترسال في الشّهوات وهتك الحرمات ، وبسط التّسلّط على أموال النّاس وأعراضهم ونفوسهم . وتنتهي جميع المفاسد النّاشئة من الطّريقين كليهما بالتّحليل إلى ما يعرض من الاختلال على النّظام الحاكم في حيازة الأموال واقتناء الثّروة ، والأحكام المشرّعة لتعديل الجهات المملّكة المميّزة لأكل المال بالحقّ من أكله بالباطل ، فإذا اختلّ ذلك وأذعنت النّفوس بإمكان القبض على ما تحتها من المال ، وتتوّق إليه من الثّروة بأيّ طريق أمكن ، لقّن ذلك إيّاها أن يظفر بالمال ويقبض على الثّروة بأيّ طريق ممكن حقّ أو باطل ، وأن يسعى إلى كلّ مشتهى من مشتهيات النّفس مشروع أو غير مشروع أدّى إلى ما أدّى ، وعند ذلك يقوم البلوى بفشوّ الفساد وشيوع الانحطاط الأخلاقيّ في المجتمع ، وانقلاب المحيط الإنسانيّ إلى محيط حيوانيّ رديء لا همّ فيه إلّا البطن وما دونه ، ولا يملك فيه إرادة أحد بسياسة أو تربية ، ولا تفقّه فيه لحكمة ولا إصغاء إلى موعظة . ولعلّ هذا هو السّبب الموجب لاختصاص أكل المال بالباطل بالذّكر ، وخاصّة من الأحبار والرّهبان الّذين إليهم تربية الأمّة وإصلاح المجتمع . وقد عدّ بعضهم من أكل أموال النّاس بالباطل ما يقدّمه النّاس إليهم من المال حبّا لهم لتظاهرهم بالزّهد والتّنسّك ، وأكل الرّشا والسّحت ، وضبطهم أموال مخالفيهم وأخذهم الرّضا على الحكم ، وإعطاء أوراق المغفرة وبيعها ، ونحو ذلك . والظّاهر أنّ المراد بها أمثال أخذ الرّشوة على الحكم كما تقدّم من قصّتهم في تفسير قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . . .
المائدة : 41 . ولو لم يكن من ذلك إلّا ما كانت تأتي به الكنيسة من أوراق المغفرة لكفى به مقتا ولؤما .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 545 | مجمع البحوث الاسلامية