لأنّه حالة الأكل لم يكن نارا إنّما بعد صارت في بطونهم نارا .
وقيل : إنّ ذلك يكون في الآخرة ، فهو حقيقة أيضا .
واختلفوا ، فقيل : جميع ما أكلوه من السّحت والرّشاء في الدّنيا يجعل نارا في الآخرة ، ثمّ يطعمهم اللّه إيّاه في النّار .
وقيل : يأمر الزّبانية أن تطعمهم النّار ليكون عقوبة الأكل من جنسه .
وأكثر العلماء على تأويل قوله :
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
على معنى أنّهم يجازون على ما اقترفوه من كتم ما أنزل اللّه والاشتراء به الثّمن القليل بالنّار ، وأنّ ما اكتسبوه بهذه الأوصاف الذّميمة مآله إلى النّار . وعبّر بالأكل لأنّه أعظم منافع ما تصرف فيه الأموال . وذكر ( في بطونهم ) إمّا على سبيل التّوكيد ؛ إذ معلوم أنّ الأكل لا يكون إلّا في البطن ، فصار نظير :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ . . .
الأنعام : 38 ، أو كناية عن ملء البطن ، لأنّه يقال : فلان أكل في بطنه وفلان أكل في بعض بطنه ، أو لرفع توهّم المجاز ، إذ يقال : أكل فلان ماله ، إذا بذر وإن لم يأكله ، وجعل المأكول « النّار » تسمية له بما يؤول إليه ، لأنّه سبب النّار ، وذلك كما يقولون : أكل فلان الدّم ، يريدون : الدّية ، لأنّه بدل من الدّم . وتسمية الشّيء بما يؤول إليه كثير ، ومن ذلك :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . .
النّساء : 10 . ( 1 : 492 )
الآلوسيّ : إمّا في الحال كما هو أصل المضارع ، لأنّهم أكلوا ما يتلبّس بالنّار وهو الرّشا ، لكونها عقوبة لها ؛ فيكون في الآية استعارة تمثيليّة ؛ بأن شبّه الهيئة الحاصلة من أكلهم ما يتلبّس بالنّار بالهيئة المنتزعة من أكلهم النّار ، من حيث إنّه يترتّب على أكل كلّ منهما من تقطّع الأمعاء ، والألم ما يترتّب على الآخر . فاستعمل لفظ المشبّه به في المشبّه ، وإمّا في المآل ، أي لا يكون يوم القيامة إلّا النّار ، فالنّار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقيّ .
وقيل : إنّها مجاز عن الرّشا ، إذا أريد الحال والعلاقة السّببيّة والمسبّبيّة ، وحقيقة إذا أريد المآل . ولا يخفى أنّ الأوّل هو الأليق بمقام الوعيد . ( 2 : 43 )
القاسميّ : أي ما يستتبع النّار ويستلزمها ، فكأنّه عين النّار ، وأكله أكلها ، و ( في بطونهم ) متعلّق ب ( يأكلون ) . وفائدته : تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقرّ المأكول .
قال الرّاغب : أكل النّار : تناول ما يؤدّي إليها . وذكر الأكل لكونه المقصود الأوّل بتحصيل المال . ( 3 : 384 )
رشيد رضا : أي أولئك الكاتمون لكتاب اللّه والمتّجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلّا ما يكون سببا لدخول النّار وانتهاء مطامعهم بعذابها ، وهذا أظهر من القول بأنّهم لا يأكلون في دار الجزاء إلّا النّار ، أو طعام النّار من الضّريع والزّقّوم .
وعبّر عن المنافع بالأكل ، لأنّه أعمّها ، والمعنى لا تملأ بطونهم إلّا النّار ، فإنّ الأكل لمّا كان لا يكون إلّا في البطن كان لا بدّ من نكتة لذكر البطن إذا قيل : أكل في بطنه ، ورأيناهم يعبّرون بذلك عن الامتلاء ، يقولون : أكل في بطنه ، يريدون ملأ بطنه . والأصل أن يأكل الإنسان دون امتلاء بطنه . والمراد أنّه لا يشبع جشعهم ، ولا يذهب بطمعهم إلّا النّار الّتي يصيرون إليها ، على حدّ ما ورد في الحديث : « ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب » . [ ثمّ