تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
لحال الوصيّ على اليتيم ، فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنيّا ، واقتناعه بما رزقه اللّه تعالى من الغنى ، وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيرا ؛ بحيث يأخذ قوتا محتاطا في تقديره . وظاهر هذه الإباحة أنّه لا تبعة عليه ولا يترتّب في ذمّته ما أخذ ممّا يسدّ جوعته بما لا يكون رفيعا من الثّياب ، ولا يقضي إذا أيسر ، قاله إبراهيم ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة . وعلى هذا القول ، الفقهاء . وقال عمر ، وابن عبّاس ، وعبيدة ، والشّعبيّ ، ومجاهد ، وأبو العالية ، وابن جبير : يقضي إذا أيسر ولا يستلف أكثر من حاجته ، وبه قال الأوزاعيّ . وقال ابن عبّاس أيضا وأبو العالية ، والحسن ، والشّعبيّ : إنّما يأكل بالمعروف إذا شرب من اللّبن وأكل من التّمر بما يهنأ الجرباء ويليط الحوض ويجد التّمر وما أشبهه ، فأمّا أعيان الأموال وأصولها فليس للوليّ أخذها . وقالت طائفة : ( المعروف ) أن يكون له أجر بقدر عمله وخدمته ، وهذه رواية عن الإمام أحمد ، وفصّل الحسن بن حيّ فقال : إن كان وصيّ أب فله الأكل بالمعروف ، أو وصيّ حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه ، وأجرته على بيت المال . وفصّل أبو حنيفة وصاحباه ، فقالوا : إن كان وصيّ اليتيم مقيما فلا يجوز له أن يأخذ من ماله شيئا ، وإن كان مسافرا فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ولا يقتني شيئا . وفصّل الشّعبيّ فقال : إن كان مضطرّا بحال من يجوز له أكل الميتة ، أكل بقدر حاجته وردّ إذا وجد ، وإلّا فلا يأكل لا سفرا ولا حضرا . وقال مجاهد : هذه الإباحة منسوخة بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . .
النّساء : 10 . وقال أبو يوسف : لعلّها منسوخة بقوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
البقرة : 188 ، فليس له أن يأخذ قرضا ولا غيره . وقال ابن عبّاس والنّخعيّ أيضا : هذا الأمر ليس متعلّقا بمال اليتيم ، والمعنى أنّ الغنيّ يستعفف بغناه ، وأمّا الفقير فيأكل بالمعروف من مال نفسه ، ويقوم على نفسه بماله حتّى لا يحتاج إلى مال يتيمه . واختار هذا القول من الشّافعيّة الكيا الطّبريّ . وقيل : إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى قيام كثير عليه ؛ بحيث يشغل الوليّ عن مصالح نفسه ومهمّاته فرض له في مال اليتيم أجر عمله ، وإن كان لا يشغله فلا يأكل منه شيئا ، غير أنّه يستحبّ له شرب قليل اللّبن وأكل قليل الطّعام والسّمن غير مضرّبه ولا مستكثر منه ، على ما جرت به العادة والمسامحة . وقالت طائفة ، منهم ربيعة ، ويحيى بن سعيد : هذا تقسيم لحال اليتيم لا لحال الوصيّ ، والمعنى من كان منهم غنيّا فليعفّ بماله ، ومن كان منهم فقيرا فليقتر عليه بالمعروف والاقتصاد . ويكون من خطاب العين ويراد به الغير ، خوطب اليتامى بالاستعفاف والأكل بالمعروف والمراد الأولياء ، لأنّ اليتامى ليسوا من أهل الخطاب ، فكأنّه قال للأولياء والأوصياء : إن كان اليتيم غنيّا فانفقوا عليه نفقة متعفّف مقتصد لئلّا يذهب ماله بالتّوسّع في نفقته ، وإن كان فقيرا فلينفق عليه بقدر ماله