منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله :
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ .
إذنا للوصيّ في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة .
وثالثها : قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . .
النّساء : 10 ، وهذا دليل على أنّ مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ . . . ،
فائدة . وهذا يدلّ على أنّ للوصيّ المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف .
ورابعها : ما روي عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم . . . [ تقدّم في كلام الزّمخشريّ ]
وخامسها : [ ما رواه القرطبيّ عن ابن عبّاس وقد تقدّم ]
وسادسها : أنّ الوصيّ لمّا تكفّل بإصلاح مهمّات الصّبيّ وجب أن يتمكّن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على السّاعي في أخذ الصّدقات وجمعها ، فإنّه يضرب له في تلك الصّدقات بسهم ، فكذا هاهنا .
والقول الثّانيّ : قول سعيد بن جبير ، وأبي العالية [ وقد تقدّم ]
والقول الثّالث : قال أبو بكر الرّازيّ : الّذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنّه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنيّا أو فقيرا . واحتجّ عليه بآيات :
منها قوله :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
إلى قوله :
إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
النّساء : 2 .
ومنها قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
النّساء : 10 .
ومنها قوله :
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ . . .
النّساء : 127 .
ومنها قوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
البقرة : 188 .
فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصيّه في حال الغنى والفقر ، وقوله :
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
النّساء : 6 ، متشابه محتمل ، فوجب ردّه لكونه متشابها إلى تلك المحكمات .
وعندي أنّ هذه الآيات لا تدلّ على ما ذهب الرّازيّ إليه .
أمّا قوله :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
فهو عامّ ، وهذه الآية الّتي نحن فيها خاصّة ، والخاصّ مقدّم على العامّ .
وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . . ،
فهو إنّما يتناول هذه الواقعة ، لو ثبت أنّ أكل الوصيّ من مال الصّبيّ بالمعروف ظلم ، وهل النّزاع إلّا فيه ، وهو الجواب بعينه عن قوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ
البقرة : 188 .
وأمّا قوله :
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ . . . ،
فهو إنّما يتناول محل النّزاع لو ثبت أنّ هذا الأكل ليس بقسط ، والنّزاع ليس إلّا فيه ، فثبت أنّ كلامه في هذا المقام ساقط ركيك ، واللّه أعلم . ( 9 : 190 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 4 : 180 )
القرطبيّ : واختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو ؟ [ ثمّ ذكر أقوال السّابقين فراجع ] ( 5 : 41 )
أبو حيّان : ظاهر هذه الجملة يدلّ على أنّه تقسيم