أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
وكيف يكون الأكل على هذا الوجه .
وجوابنا أنّه تعالى في كثير من القرآن يذكر الأكل ، ويعني سائر وجوه الانتفاع ، نحو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . .
النّساء : 10 ، ومعلوم من حال الانتفاع أنّه يكون سببه ما ينزل من السّماء وما ينبت من الأرض . وعلى هذا الوجه قال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
الذّاريات : 22 ، فكنّى تعالى عن ذلك بهذين الحرفين اللّذين يجمعان كلّ المنافع . ثمّ بيّن تعالى أنّ منهم أمّة مقتصدة ، وهم الّذين أسلموا وسلكوا طريق الحقّ من قبل . فنبّه بذلك على أنّ كلّ أهل الكتاب ليسوا بالصّفة الّتي ذكرها . ( 120 )
الطّوسيّ : بإرسال السّماء عليهم مدرارا و
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
بإعطاء الأرض خيراتها وبركاتها وقال قوم :
مِنْ فَوْقِهِمْ
ثمار النّخل والأشجار ،
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
الزّرع ، والمعنى لو آمنوا لأقاموا في أوطانهم ، وأموالهم وزروعهم ولم يجلوا عن بلادهم ، ففي ذلك التّأسيف لهم على ما فاتهم والاعتداد بسعة ما كانوا فيه من نعمة اللّه عليهم ، وهو جواب التّبخيل في قولهم :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . . .
المائدة 64 .
الثّاني : « 1 » أنّ المعنى فيه التّوسعة ، كما يقال : هو في الخير من قرنه إلى قدمه ، أي يأتيه الخير من كلّ جهة يلتمسه منها . واختار الطّبريّ الوجه الأوّل . ( 3 : 585 )
الكرمانيّ :
مِنْ فَوْقِهِمْ
ما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
ما يأتيهم من سفلتهم وعوامّهم . ( أبو حيّان 3 : 528 )
الزّمخشريّ : وقوله :
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
عبارة عن التّوسعة ، وفيه ثلاثة أوجه :
أن يفيض عليهم بركات السّماء وبركات الأرض .
وأن يكثر الأشجار المثمرة والزّروع المغلّة . وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثّمار يجتنون ما تهدّل منها من رؤوس الشّجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم . ( 1 : 630 )
مثله البيضاويّ ( 1 : 284 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2066 ) ، ونحوه رشيد رضا ( 6 : 460 ) .
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ اليهود لمّا أصرّوا على تكذيب محمّد صلى اللّه عليه وسلم أصابهم القحط والشّدّة ، وبلغوا إلى حيث قالوا :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . . .
المائدة 64 ، فاللّه تعالى بيّن أنّهم لو تركوا ذلك الكفر لا نقلب الأمر وحصل الخصب والسّعة . وفي قوله :
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . . .
وجوه :
الأوّل : أنّ المراد منه المبالغة في شرح السّعة والخصب لا أنّ هناك فوقا وتحتا ، والمعنى لأكلوا أكلا متّصلا كثيرا ، وهو كما تقول : فلان في الخير من فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده .
والثّاني : أنّ الأكل من فوق : نزول القطر ، ومن تحت الأرجل : حصول النّبات ، كما قال تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . .
الأعراف : 96 .
والثّالث : الأكل من فوق : كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل : الزّروع المغلّة .
هامش
( 1 ) كذا ورد .