تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
وعلى أيّ حال فهو عليه السّلام أبطل ربوبيّة الكوكب بعروض الأفول له ، إمّا بالتّكنية عن البطلان بأنّه لا يحبّه لأفوله ، لأنّ المربوبيّة والمعبوديّة متقدّمة بالحبّ ، فليس يسع من لا يحبّ شيئا أن يعبده . وقد ورد في المرويّ عن الصّادق عليه السّلام « هل الدّين إلّا الحبّ ؟ » وقد بيّنّا ذلك فيما تقدّم . وإمّا لكون الحجّة متقوّمة بعدم الحبّ ، وإنّما ذكر الأفول ليوجّه به عدم حبّه له المنافي للرّبوبيّة ، لأنّ الرّبوبيّة والألوهيّة تلازمان المحبوبيّة ، فما لا يتعلق به الحبّ الغريزيّ الفطريّ لفقدانه الجمال الباقي الثّابت لا يستحقّ الرّبوبيّة . وهذا الوجه هو الظّاهر يتّكئ عليه سياق الاحتجاج في الآية . ففي الكلام أوّلا : إشارة إلى التّلازم بين الحبّ والعبوديّة أو المعبوديّة . وثانيا : أنّه أخذ في إبطال ربوبيّة الكوكب وصفا مشتركا بينه وبين القمر والشّمس ، ثمّ ساق الاحتجاج وكرّر ما احتجّ به في الكوكب وفي القمر والشّمس أيضا ، وذلك إمّا لكونه عليه السّلام لم يكن مسبوق الذّهن من أمر القمر والشّمس وأنّهما يطلعان ويغربان كالكواكب كما تقدّمت الإشارة إليه ، وإمّا لكون القوم المخاطبين في كلّ من المراحل الثّلاث غير الآخرين . وثالثا : أنّه اختار للنّفي وصف أولي العقل حيث قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
الأنعام : 76 ، وكأنّه للإشارة إلى أنّ غير أولي الشّعور والعقل لا يستحقّ الرّبوبيّة من رأس ، كما يومئ إليه في قوله المحكيّ :
يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
مريم : 42 ، وقوله الاخر :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ * قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ * قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
الشّعراء : 70 - 74 ، فسألهم أوّلا عن معبودهم ، كأنّه لا يعلم من أمرها شيئا ، فأجابوه بما يشعر بأنّها أجساد وهياكل غير عاقلة ولا شاعرة . فسألهم ثانيا عن علمها وقدرتها ، وهو يعبّر بلفظ أولي العقل للدّلالة على أنّ المعبود يجب أن يكون على هذه الصّفة صفة العقل . ( 7 : 177 ) أبو رزق : أفل : غاب واحتجب ، سواء بالسّحاب أو بانتهاء الجري . ( 1 : 69 ) المصطفويّ : فلمّا أظهر بأنّ الكوكب ربّه ، أي مربّيه ومدبّر أموره ، فأثبت له شعورا وعقلا وعلما وقدرة ، فاللّازم أن يقال في وصفه بصيغة الجمع للعقلاء ، فقال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ .
ويقوّى في النّظر أنّ « الغيبة » معناها مطلق الغياب من دون توجّه فيها إلى حدوثها أو دوامها أو بقائها ، بخلاف « الأفول » فإنّه يدلّ على حدوث الغيبة بعد الحضور ، وهذا المعنى أشدّ تأثيرا في سلب الحبّ ؛ حيث قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
فإنّه مضافا إلى الغيبة يدلّ على التّغيّر ، وكذا في البراءة من الشّرك في قوله :
فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأنعام : 78 ، فإنّ التّغيّر والتّقلّب ممّا لا يليق بحال الخالق الحيّ القيّوم . ( 1 : 89 ) فضل اللّه : [ نقل كلام الطّباطبائيّ وقال : ] ونلاحظ على ذلك ، أنّ التّركيز على مسألة الحبّ