تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
وقد فسّر بعض النّظّار وعلماء الكلام « الأفول » بالانتقال من مكان إلى مكان ، وجعلوا هذا هو المنافي للرّبوبيّة لدلالته على الحدوث أو الإمكان ، وهو تفسير للشّيء بما قد يباينه ، فإنّ المحفوظ عن العرب أنّها استعملت الأفول في غروب القمرين والنّجوم ، وفي استقرار الحمل وكذا اللّقاح في الرّحم ؛ فعلم أنّ مرادها من الأوّل عين مرادها من الثّاني ، وهو الغيوب والخفاء . وقد يتحوّل الشّيء وينتقل من مكان إلى آخر وهو ظاهر غير محتجب . وفسّره بعضهم بالتّغيّر ليجعلوه علّة الحدوث المنافي للرّبوبيّة أيضا ، وهو غلط كسابقه ، فإنّ الشّمس والقمر والنّجوم لا تتغيّر بأفولها ، ومذهب المتأخّرين من علماء الفلك - وهو الصّحيح - أنّ أفولها إنّما يكون بسبب حركة الأرض لا بحركتها هي ، وإنّ حركتها على محاورها وحركة السّيّارات من المغرب إلى المشرق ليست من سبب أفولها المشاهد في شيء . وفي الكلام تعريض لطيف بجهل قومه في عبادة الكواكب بأنّهم يعبدون ما يحتجب عنهم ، ولا يدري شيئا من أمر عبادتهم ، وهو يقرب من قوله لأبيه بعد ذلك :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
مريم : 42 ، ولا يظهر هذا التّعريض على قول النّظّار في تفسير الأفول ، فإنّ قوم إبراهيم لم يكونوا على شيء من هذه النّظريّات الكلاميّة بل كانوا يعبدون الأفلاك قائلين بربوبيّتها ، وبقدمها مع حركتها ، وما زال الفلاسفة والفلكيّون يقولون بقدم الحركة وأزليّتها ، وعلماء الكون في العصر يعدّون الحركة مبدأ وجود كلّ شيء ، وأنّها ملازمة للوجود المطلق من الأزل إلى الأبد [ ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ إلى أن قال : ] والصّواب أنّ الكلام كان تعريضا خفيّا ، لا برهانا نظريّا جليّا ، وأنّ وجه منافاة الرّبوبيّة فيه هو الخفاء والاحتجاب والتّعدّد ، وأنّ البزوغ والظّهور لم يجعل فيه ممّا ينافي الرّبوبيّة بل بنى عليه القول بها ، فإنّ من صفات الرّبّ أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه ، كما علم ممّا تقدّم آنفا . ( 7 : 558 - 560 ) عزّة دروزة : ( الآفلين ) من الأفول وهو الزّوال والاحتجاب والتّغيّر والانطفاء ، والتّنقّل من حال إلى حال . ( 4 : 184 ) الطّباطبائيّ : الأفول : الغروب ، وفيه إبطال ربوبيّة الكوكب بعروض صفة الأفول له ، فإنّ الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممّن طلع عليه ، ولا يستقيم تدبير كونيّ مع الانقطاع . على أنّ الرّبوبيّة والمربوبيّة بارتباط حقيقيّ بين الرّبّ والمربوب ، وهو يؤدّي إلى حبّ المربوب لربّه لا نجذابه التّكوينيّ إليه وتبعيّته له ، ولا معنى لحبّ ما يفنى ويتغيّر عن جماله الّذي كان الحبّ لأجله ، وما يشاهد من أنّ الإنسان يحبّ كثيرا الجمال المعجّل والزّينة الدّائرة ، فإنّما هو لاستغراقه فيه من غير أن يلتفت إلى فنائه وزواله . فمن الواجب أن يكون الرّبّ ثابت الوجود غير متغيّر الأحوال كهذه الزّخارف المزوّقة الّتي تحيا وتموت ، وتثبت وتزول ، وتطلع وتغرب ، وتظهر وتخفى ، وتشبّ وتشيب ، وتضر وتشين . وهذا وجه برهانيّ وإن كان ربّما يتخيّل أنّه بيان خطابيّ أو شعريّ فافهم ذلك .