قد استدلّ على وجود اللّه تعالى بنفسه لنفسه دون أن يكون هذا الاستدلال لقومه كما قال بعض المفسّرين .
ثالثا : وفي الآيات نكات :
1 - اهتدى إبراهيم إلى وجود الخالق جلّ وعلا بالبزوغ والأفول معا ؛ إذ لا يتحقّق أحدهما دون الآخر ، ولذا وردا معا في هذه الآيات فقط ، كما ورد طلوع الشّمس ملازما لغروبها في القرآن . والبزوغ يدلّ على الحدوث ، والأفول يدلّ على التّغيّر وعدم الثّبات ، وكلاهما يفتقران إلى واجب الوجود يعتمد عليه وجودهما ، وهذا الواجب الوجود هو اللّه تعالى .
2 - ومن هنا نهتدي إلى قاعدة فلسفيّة : « كلّ متغيّر حادث » ونجعلها كبرى قياس : « العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » .
3 - قد جاء الأفول في أربع آيات مكّيّة متّصلة في سورة واحدة نفيا لألوهيّة الكواكب . ولعلّ الوجه في ذلك هو أنّ هذه المدينة كانت تعبق برائحة الشّرك ، وكان المشركون يعتقدون بكون هذه الأصنام شريكة في الرّبوبيّة . فبيّنت هذه الآيات لهم أنّ الكواكب والشّمس والقمر لم تكن من صنع الإنسان ولها آفاق أوسع ؛ لأنّها تتّصف بالأفول ، فليست جديرة بأن تشارك اللّه الرّبوبيّة ، فكيف بالأصنام الّتي صنعها الإنسان ؟ فلا توصف بالرّبوبيّة بطريق أولى .
4 - جاءت صفة الأفول دليلا على عدم ربوبيّة الكوكب ؛ لأنّ الأفول يخبر بالفناء والزّوال ، وما يكون أبديّا فهو غير أزليّ ، وما لم يكن أزليّا وأبديّا فلا يستحقّ الألوهيّة .
5 - قابل الأفول بالبزوغ مرّتين :
1 -
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً . .
. فَلَمَّا أَفَلَ
2 -
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً . .
. فَلَمَّا أَفَلَتْ
وهذا موافق تماما لمعناه الأصليّ في اللّغة كما سبق .
6 - استعمل الأفول في نفي ألوهيّة الكواكب وما استعمل الغياب فيها ؛ لأنّ الأفول يلحظ فيه معنى الفناء ، وهذا المعنى لا يلحظ في الغياب . أو أنّ الأفول يختصّ بالكواكب والشّمس والقمر ولا يستعمل في غيرها .
ولهذا لم يستعمل في القرآن إلّا مع الكواكب ، وفي هذه السّورة فقط .
7 - وردت مادّة « أف ل » في القرآن بمعيّة كلمات مثل « ربّ » و « حبّ » و « براءة » . ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّ النّاس كانوا يعتقدون بأثر الكواكب والأجرام السّماويّة في تدبير أحوال الأرض وسكّانها . فلفت إبراهيم أنظارهم إلى ظاهرة أفولها أوّلا بإبطال فكرة تأثيرها ؛ لأنّها مخلوقة وليست مستقلّة بذاتها . وإظهار البراءة والانزجار منها ؛ لأنّها تفتقر إلى الاستقلال والقيمومة ، فهي غير جديرة بالودّ والولاء ثانيا .
ثمّ أرشدهم إلى المدبّر الحقيقيّ للكون وإلى خالق العالم بقوله :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأنعام : 79 .
8 - وفي هذه الآيات لطائف أخرى سنبحثها في « ج ن ن » و « ب ز غ » .