تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
الْمُنْتَهى
النّجم : 42 . وأمّا الأوساط فإنّهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، فكلّ متحرّك محدث ، وكلّ محدث فهو محتاج إلى القديم القادر . فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الّذي احتاج إليه ذلك الآفل . وأمّا العوامّ فإنّهم يفهمون من الأفول الغروب ، وهم يشاهدون أنّ كلّ كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنّه يزول نوره ، وينتقص ضوؤه ، ويذهب سلطانه ، ويصير كالمعزول . ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهيّة ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
كلمة مشتملة على نصيب المقرّبين وأصحاب اليمين وأصحاب الشّمال ، فكانت أكمل الدّلائل وأفضل البراهين . وفيه دقيقة أخرى ، وهو أنّه عليه السّلام إنّما كان يناظرهم وهم كانوا منجّمين ، ومذهب أهل النّجوم أنّ الكوكب إذا كان في الرّبع الشّرقيّ ويكون صاعدا إلى وسط السّماء كان قويّا عظيم التّأثير ، أمّا إذا كان غربيّا وقريبا من الأفول فإنّه يكون ضعيف التّأثير قليل القوّة . فنبّه بهذه الدّقيقة على أنّ الإله هو الّذي لا تتغيّر قدرته إلى العجز ، وكماله إلى النّقصان . ومذهبكم أنّ الكوكب حال كونه في الرّبع الغربيّ ، يكون ضعيف القوّة ، ناقص التّأثير ، عاجزا عن التّدبير ، وذلك يدلّ على القدح في إلهيّته ؛ فظهر على قول المنجّمين : أنّ للأفول مزيد خاصيّة في كونه موجبا للقدح في إلهيّته . أمّا المقام الثّاني وهو بيان أنّ الكوكب آفلا يمنع من ربوبيّته . [ إلى أن قال : ] المسألة السّادسة : تفلسف الغزاليّ في بعض كتبه وحمل الكوكب على النّفس النّاطقة الحيوانيّة الّتي لكلّ كوكب ، والقمر على النّفس النّاطقة الّتي لكلّ فلك ، والشّمس على العقل المجرّد الّذي لكلّ ذلك . وكان أبو عليّ بن سيناء يفسّر الأفول بالإمكان . فزعم الغزاليّ أنّ المراد بأفولها إمكانها في نفسها ، وزعم أنّ المراد من قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
أنّ هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها ، وكلّ ممكن فلابدّ له من مؤثّر ولا بدّ له من الانتهاء إلى واجب الوجود . واعلم أنّ هذا الكلام لا بأس به ، إلّا أنّه يبعد حمل لفظ الآية عليه . المسألة السّابعة : دلّ قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
على أحكام : 1 - هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم ؛ إذ لو كان جسما لكان غائبا عنّا أبدا فكان آفلا أبدا . وأيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السّماء تارة ويصعد من السّماء إلى العرش أخرى ، وإلّا لحصل معنى الأفول . 2 - هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى ليس محلّا للصّفات المحدثة كما تقوله الكراميّة ، وإلّا لكان متغيّرا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال . 3 - تدلّ هذه الآية على أنّ الدّين يجب أن يكون مبنيّا على الدّليل لا على التّقليد ، وإلّا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتّة . 4 - تدلّ هذه الآية على أنّ معارف الأنبياء بربّهم استدلاليّة لا ضروريّة ، وإلّا لما احتاج إبراهيم إلى
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 507 | مجمع البحوث الاسلامية