ينطوي في
فَلا تَقُلْ لَهُما .
وثالثا : على الرّغم من أنّ ( أفّ ) ليس بذي بال عند العرب ، إلّا أنّ القرآن استعملها في عقوق الوالدين في ( 1 و 2 ) ؛ إشعارا بأنّ هذا أدنى إهانة للوالدين ، وهي ممنوعة ، فكيف بالشّتم والضّرب والقتل والنّهب ونحوها . وهذا هو المفهوم الموافق عند علماء علم الأصول .
وأمّا قول إبراهيم في « 3 » فهو خطاب للمشركين وآلهتهم ، فهو تحقير لهم من دون شتم ، فيبدو أنّه عليه السّلام اكتفى بأدنى الإزراء بهم أو أبدى استقذاره لآلهتهم مبالغة في بطلانها .
ورابعا : أنّها في الأوليين جاءت فيها أيضا وفي سياق عاطفيّ يذكّر الإنسان بحقّ الوالدين وحنانهما على الولد ، وما تحمّلاه - ولا سيّما الأمّ - في تنشئته ، وبلوغ أحدهما أو كلاهما مبلغ الكبر والشّيخوخة ، ويصبحا في هذه المرحلة متذمّرين وممتعضين ، كما يذكّر استغاثتهما لنجاة الابن
وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
الأحقاف : 17 ، « والويل » - هنا - كلمة تحسّر ، تحكي ودّ قائلها لمخاطبه ، لاحظ « وي ل » . كما أنّ القرآن ينهى في هذا السّياق عن نهرهما ( ولا تنهرهما ) ، ويأمر بالقول الحسن لهما
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً .
وخامسا : أنّ ( أفّ ) قرئ مخفّفا ومثقّلا ، وهذا بسبب اختلاف اللّغات واللّهجات ، كما صرّح به الطّوسيّ ، أو بحسب شدّة التّضجّر وخفّته كما يقتضيه الطّبع . ففي التّضجّر الخفيف يسبق اللّسان « أف » مخفّفا ، وعند التّضجّر الشّديد يتسرّع على اللّسان « أفّ » مشدّدا .
ويؤيّد الوجه الأوّل أنّ سائر القراءات في القرآن كثيرا ما جاءت على حسب اللّغات أيضا ، فكلّ قبيلة من العرب تتلفّظ به بحسب لهجتها ؛ فيسوغ لها قراءته بها استسهالا ومسايرة لعادتها . وأنّ النّبيّ لم يمنع ذلك بل أجازه ، كما جاء في الرّواية « نزل القرآن على سبعة أوجه » على كلام فيه . ومؤدّى ذلك أنّ اللّفظ نزل بلا لهجة ، وفيها أيضا وأوكل التّلفّظ به إلى اللّهجات ، أو نزل بلهجة النّبيّ وأجيز لغيره قراءته حسب لهجته هو ، ولم يحتّم عليه اتّباع النّبيّ في لهجته الخاصّة بقبيلته من قريش . فهذا يخرج القرآن عن طلاقته على لسان العرب ، ويجعله ثقيلا عليهم . لاحظ بحث القراءات في « المدخل » .
ويؤيّد الوجه الثّاني قراءة ( أف ) مخفّفا - كما عن ابن عبّاس - في ( 1 ) فقط ، لأنّه أخفّ تضجّرا بالنّسبة إلى الوالدين دون ( 2 و 3 ) .
وسادسا : جاء ( افّ ) مبنيّة دائما ، مقولة للقول في الآية الأولى بصورة نهي :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ،
وفي الثّانية حكاية عن ولد :
قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ
ولعلّه ابن نوح أو بعض المسلمين ، كما في أسباب النّزول . وأمّا في الثّالثة فجاء حكاية على لسان إبراهيم عليه السّلام ؛ إذ قال لقومه وهو بصدد توبيخهم على عبادة الأصنام :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .
وهذا يجعلنا نطمئنّ بأنّها اسم صوت أو اسم فعل ، وإلّا لجاءت معربة .