تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
حاربكم ، أي مسالم ومحارب . ويبدي غياب الفاعل ضعف الفعل لهذه المادّة . 4 - واختلفوا في « أفّ » على قولين : الأوّل : اسم صوت يصدر عن الإنسان عند التّضجّر ؛ مثل شيب شيب ، وهي حكاية جرع الإبل الماء . والثّاني : اسم فعل . ثمّ اختلفوا فيه أيضا ، فقيل : هو اسم فعل ماض بمعنى تضجّر ، مثل هيهات . أو اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر ، مثل آه . أو اسم فعل أمر بمعنى اترك ، مثل صه . أو مصدر بمعنى التّضجّر ، مثل ويل . ولعلّ أصله حكاية لصوت تضجّر الإنسان ، فارتقى درجة من سلّم التّطوّر اللّغويّ فأصبح في عداد أسماء الأفعال ، ثمّ ارتقى درجة أخرى فاشتقّ منه فعل ، كما اشتقّ من الطّقطقة - وهي حكاية حوافر الدّوابّ على الأرض - فعل ، يقال : طقطقت الخيل ، وحكايتها أيضا حبطقطق . وهذا الاشتقاق يلحظ بوضوح في الألفاظ المعرّبة كلفظ « سمسار » وهو الوسيط بين البائع والمشتري ، فإنّهم اشتقّوا منه فعلا ومصدرا بقولهم : سمسر سمسرة .

الاستعمال القرآنيّ

لم يرد في القرآن من هذه المادّة سوى ( أفّ ) منوّنة بكسرة بناء ، وهي - كما ورد في النّصوص - تدلّ على التّنكير ، ومن الأنسب - هنا - أن تكون بمثابة اسم صوت تعني قبحا ، في الآيات الثّلاث : 1 -
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
الإسراء : 23 2 -
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ
الأحقاف : 17 3 -
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
الأنبياء : 67 ويلاحظ أوّلا : أنّ سياق الآية الأولى يختلف عن سياق الآيتين التّاليتين لها ؛ فسياقها نهي وأمر ، وسياق تلكما الآيتين قصصيّ . ومن الملاحظ أنّ سياق هذه الآيات يخضع للسّياق العامّ لسورها ؛ إذ أنّ سورة الإسراء تطغى عليها الأوامر والنّواهي ، كالأمر بإيتاء حقّ ذي القربى والمسكين وابن السّبيل ، وبالإيفاء بالعهد ، وبإيفاء الكيل والوزن . والنّهي عن الشّرك والتّبذير والتّقتير ، وقتل الأولاد مخافة الفقر وغيرها . ويغلب على سياق آيات سورة الأنبياء قصص الأنبياء وأقوامهم ، كقصّة إبراهيم وداود وسليمان وغيرهم ، أمّا سورة الأحقاف فإنّها تحفل بالمواعظ وقصص الأقوام الماضية كقصّة قوم عاد ، دون أن تتعرّض إلى أمر أو نهي . وثانيا : تختلف الآية الأولى عمّا تلاها أيضا ؛ بكون لفظ ( أفّ ) فيها ليس له متعلّق ، كما في ( افّ لكم ) و ( أفّ لكما ) ، فهو على أصله ، لأنّ اسم الصّوت غير عامل ولا تؤثّر فيه العوامل . وأمّا المتعلّق في الآيتين الأخيرتين فهو للتّأكيد ، كما يقال مثلا : إليّ إليّ ، أي أقبل ، فلفظ « إليّ » الأوّل مجز ، إلّا أنّ اللّفظ الثّاني جاء لتأكيد الطّلب ، وكذا الأمر مع ( افّ لكم ) و ( افّ لكما ) ؛ فإنّ كلّا منهما مبتدأ وخبر ، واللّام فيهما متعلّقة بمحذوف هو الخبر أي أفّ ، ثابت لكم أو لكما . ولك أن تقول : متعلّقه في الأولى