الأفعال . ( 2 : 88 )
الفخر الرّازيّ : [ بعد نقل اختلاف اللّغة والقراءة في كلمة « أفّ » قال : ]
والبحث المشكل هاهنا أنّا لمّا نقلنا عشرة أنواع من اللّغات في هذه اللّفظة ، فما السّبب في أنّهم تركوا أكثر تلك اللّغات في قراءة هذه اللّفظة ، واقتصروا على وجوه قليلة منها ؟ . . . [ إلى أن قال : ]
المسألة الرّابعة : قول القائل : لا تقل لفلان : أفّ ، مثل يضرب للمنع من كلّ مكروه وأذيّة ، وإن خفّ وقلّ .
واختلف الأصوليّون في أنّ دلالة هذا اللّفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظيّة أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس .
قال بعضهم : إنّها دلالة لفظيّة ، لأنّ أهل العرف إذا قالوا : لا تقل لفلان : أفّ ، عنوا به أنّه لا يتعرّض له بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش ، وجرى هذا مجرى قولهم :
فلان لا يملك نقيرا وقطميرا ، في أنّه بحسب العرف يدلّ على أنّه لا يملك شيئا .
والقول الثّاني : أنّ هذا اللّفظ إنّما يدلّ على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجليّ ، وتقريره : أنّ الشّرع إذا نصّ على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى ، فإذا أردنا إلحاق الصّورة المسكوت عن حكمها بالصّورة المذكور حكمها ، فهذا على ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محلّ السّكوت أولى من ثبوته في محلّ الذّكر ، مثل هذه الصّورة ، فإنّ اللّفظ إنّما دلّ على المنع من التّأفيف ، والضّرب أولى بالمنع من التّأفيف .
وثانيها : أن يكون الحكم في محلّ السّكوت مساويا للحكم في محلّ الذّكر ، وهذا هو الّذي يسمّيه الأصوليّون القياس في معنى الأصل ، وضربوا لهذا مثلا ، وهو قوله عليه السّلام : « من أعتق نصيبا له من عبد ، قوّم عليه الباقي » فإنّ الحكم في الأمة والعبد متساويان .
وثالثها : أن يكون الحكم في محلّ السّكوت أخفى من الحكم في محلّ الذّكر ، وهو أكبر القياسات .
إذا عرفت هذا فنقول : المنع من التّأفيف إنّما يدلّ على المنع من الضّرب ، بواسطة القياس الجليّ الّذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى . والدّليل عليه : أنّ التّأفيف غير الضّرب ، فالمنع من التّأفيف لا يكون منعا من الضّرب ، وأيضا المنع من التّأفيف لا يستلزم المنع عن الضّرب عقلا ، لأنّ الملك الكبير إذا أخذ ملكا عظيما كان عدوّا له ، فقد يقول للجلّاد : إيّاك وأن تستخفّ به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته . وإذا كان هذا معقولا في الجملة علمنا أنّ المنع من التّأفيف مغاير للمنع من الضّرب ، وغير مستلزم أيضا للمنع من الضّرب عقلا في الجملة ، إلّا أنّا علمنا في هذه الصّورة أنّ المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين ؛ بدليل قوله :
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
الإسراء : 23 ، 24 ، فكانت دلالة المنع من التّأفيف على المنع من الضّرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، واللّه أعلم . ( 20 : 188 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 15 : 26 )
البيضاويّ : فلا تتضجّر ممّا يستقذر منهما ، ولا تستثقل من مؤنهما ، وهو صوت يدلّ على تضجّر . [ ثمّ