وثالثا : كما يعمّ الكثير والقليل ، فقليل الأذى يبطل الكثير من الصّدقة ، وقليل من قول معروف ومغفرة خير من كثير من الصّدقة يتبعها أذى .
ورابعا : ضمّ الأذى بالمنّ في آيتين وجاء تاليا له ، علما بأنّ المنّ نوع من الأذى النّفسيّ ، وفيه إشعار بأنّ المنّ قبل كلّ شيء إيذاء لمن أنفقت عليه ، وأنّه يضادّ تلك النّفسيّة الطّيّبة الّتي بعثتك على الإنفاق ، فالإنفاق نشأ عن حبّ الخير وحبّ الغير ، وإيثاره على النّفس والتّخلّي عن التّعلّق بالمال ، وأمّا المنّ والأذى فمنبعثان عن حبّ النّفس وشدّة علاقتها بالمال وتأسّفها على إنفاقه ، فإتباع الصّدقة بالمنّ والأذى يعتبر رجوعا في الصّدقة واستمرارا لتلك العلاقة المادّيّة ، وتخلّيا عن تلك الرّوح الطّيّبة الّتي تظاهر بها من وراء الصّدقة رياء .
وخامسا : للتّأكّد من ذلك عقّبه بقوله :
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
فالمرائي الّذي توسّل إلى مطامعه بالعمل الصّالح يكاد يكون فاقدا للإيمان باللّه واليوم الآخر .
وسادسا : بذلك ننتهي إلى أنّ الّذي أبطل صدقته بالمنّ والأذى يكاد يخرج وينخلع عن ربقة الإيمان .
4 - الأذى في مجال الأحكام :
1 -
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
الأحزاب : 59
2 -
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
النّساء : 16
3 -
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
الأحزاب : 48
4 -
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ . . .
البقرة : 196
5 -
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ . . .
البقرة : 222
6 -
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ . . .
النّساء : 102
يلاحظ أوّلا : أنّ الحذر والتّحفّظ عن أذى الآخرين مطلوب مرغوب فيه ، وقد جعل في « 1 » إدناء النّساء عليهنّ الجلابيب كوسيلة للوصول إليه ، وكعلامة على أنّهنّ مؤمنات ، حرائر ، عفيفات ، فلا يؤذين ، وتشملهنّ رحمة اللّه وغفرانه .
وثانيا : الإيذاء في « 2 » جاء مأمورا به تعزيرا وتأديبا على الفاحشة بالشّتم والسّبّ كما في التّفاسير ، وذلك قبل نزول آية الجلد في سورة النّور .
وثالثا : في « 3 » منع النّبيّ عن أذى المنافقين والكافرين في مرحلة محدّدة إمهالا لهم ليتوبوا أو ليظهروا بواطنهم فيعرفوا فيؤخذوا بأشقّ الأحوال ، وذلك مرفوع بآيات الجهاد ، وبالتّشديد على المنافقين في مثل سورة التّوبة النّازلة في غزوة تبوك ، وقد ميّز اللّه فيها المؤمنين عن المنافقين تماما .
ورابعا : في الثّلاث الأخيرة جاء الأذى إمّا علّة للحكم كما في « 5 » :
قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي