- ولم يثبت إسناده - « ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت » .
وخامسا : تعقيبا لهذا وإكبارا لإيذائه تكرّر « الإيذاء » في آية التّوبة : 61 ، والأحزاب : 53 .
وسادسا : لعلّ التّعبير في الآيتين عن نبيّنا مرّة بلفظ « النّبيّ » وأخرى بلفظ « رسول اللّه » فيه أيضا نوع من الإكبار لإيذاء النّبيّ والتّشديد في اللّوم على من ارتكبه .
وسابعا : بنفس السّبب جاء إيذاء النّبيّ مقرونا باللّه وتلوا له :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أي أنّ إيذاءه سوف يكون إيذاء اللّه تعالى قبل أن يكون إيذاء الرّسول ، وهذا غاية التّعظيم له ، كما أنّ حبّه حبّ اللّه وعداوته عداوة اللّه ، وطاعته طاعة اللّه ومبايعته مبايعة اللّه .
وثامنا : أنّ الآيات الّتي جاءت بشأن إيذاء النّبيّ والمؤمنين كلّها مدنيّة ، وحازت سورة الأحزاب السّهم الأوفى من ذلك ، فقد ذكر الإيذاء أربع مرّات في ثلاث آيات منها . وهذا إن دلّ على شيء يدلّ على شدّة آلام النّبيّ ومحنه في المدينة ، ولا سيّما في الآونة الّتي نزلت فيها سورة الأحزاب ، وكانت غزوة الأحزاب آخر حرب أثارتها قريش على النّبيّ ، وقد بلغت عداوتهم له وإيذاؤهم إيّاه أوجها .
وتاسعا : في الآيات إيماء إلى أنواع الإيذاء الّتي تحمّلها النّبيّ والمؤمنون من البهتان والإهانة والإخراج من الدّيار والقتل وإثارة الفتن وغيرها .
وعاشرا : في آيتي العنكبوت ، والأعراف : ( 11 و 12 ) ، - وهما مكّيّتان - عتاب للمؤمنين الّذين يشكون من الأذى ، فقوم موسى منّوا على موسى بأنّهم أوذوا من قبل أن يأتيهم موسى ومن بعدما جاءهم : ومن المؤمنين بالنّبيّ من جعل عذاب النّاس كعذاب اللّه . وهذه آية النّفاق أو دليل على نقص في الإيمان .
وأمّا المؤمنون حقّا فبدل أن يشكوا من الأذى ويمنّوا بذلك على الأنبياء ، يستقبلون الأذى ويعالجونه بالالتجاء إلى الصّبر والتّوكّل ، ويقفون في وجه الأعداء معلنين إيّاهم بقولهم :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
تلك عشرة كاملة وهناك مزيد لمن تدبّر .
3 - الأذى بعد الإنفاق :
1 -
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . .
البقرة : 262
2 -
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
البقرة : 263
3 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
البقرة : 264
يلاحظ أوّلا : أنّ الإنفاق والصّدقة لا أجر لهما مع الأذى بل الأذى يبطلهما ، وأنّ قولا معروفا خير من صدقة يتبعها أذى مهما كان الأذى والصّدقة .
وثانيا : أنّ الأذى في الآيات يعمّ الأذى المادّيّ والمعنويّ للإطلاق والعموم وفقد الموجب للاختصاص ، إلّا أن تعدّ مقارنته بالمنّ في آيتين ، ومقابلته بقول معروف والمغفرة في آية ، شاهدا على أنّه أريد به الأذى المعنويّ .