تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
التّعلّق والاستيثاق والوشائج الوثيقة ، فالنّاس كانوا موثوقين بالتّكاليف الشّاقّة الّتي كانت كالأغلال على عواتقهم ، فوضعها اللّه عنهم بالشّريعة المحمّديّة السّمحاء . كما أنّ الأنبياء أخذ منهم الميثاق بعهد اللّه . إلّا أنّ بين التّعبيرين فرقا لطيفا ، فالإصر حين نسب إلى النّاس كسب صفة الذّمّ فساوق الأغلال ، وحين نسب إلى اللّه كسب معنى اللّطف والحنان ، فإصر اللّه كأنّه حبل من حرير يربط الإنسان بربّه ، وفيه كلّ معاني القرب والرّضا والحبّ . فهو وإن كان ثقيلا إلّا أنّه سهل يرغب إليه الإنسان ، فلا يأخذ اللّه من النّاس إلّا ميثاقا مقبولا عندهم . وأمّا إصر النّاس فثقيل عليهم مرفوض عندهم ، يسألون اللّه وضعه عنهم . وهناك فرق آخر ، ففي الإضافة إليهم إيماء إلى أنّهم الباعث على أنّ اللّه كلّفهم بها كما كلّف الأمم السّابقة ، أو أنّهم ابتدعوها من دون اللّه . وفي ( اصرى ) إيماء إلى أنّ اللّه هو المنبع والباعث له ، فربط به أنبياءه إلى نفسه بهذا الرّباط اللّطيف ، وهو الدّين ، كما قال :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
آل عمران : 103 . وخامسا : هناك فرق آخر بين الآيات الثّلاث ، فحينما أضيف « الإصر » إلى « اللّه » جاء عقيب ( أخذتم ) ، و ( اخذ ) إشعارا بأنّ إصر اللّه ميثاقه الوثيق ، يأخذه من النّاس ويأخذونه منه . فلاحظ الآية « 81 » من آل عمران وما قبلها وما بعدها ؛ حيث جاء ( اصرى ) مع أخذ الميثاق والإقرار والإشهاد من النّاس ، والشّهادة من اللّه والحكم على من تولّى بالفسق . ففيه ألوان من المفاهيم ممّا لا يبقى معه شكّ في أنّ « الإصر » فيها هو ذلك الميثاق الأكيد المتبادل بين اللّه والنّاس . وهذا بخلاف الآيتين الأخريين ؛ ففي آية البقرة جاء الإصر عقيب
لا تَحْمِلْ عَلَيْنا
متلوّا بقوله :
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ .
ومسبوقا في صدر الآية بقوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وهذه كلّها مرتبطة بالتّكليف الشّاقّ الّذي لا يطاق ، بخلاف ذلك الميثاق المؤكّد ، فالميثاق يؤخذ من النّاس ، والتّكليف الشّاقّ يحمل عليهم أو يوضع عنهم . ومثلها آية الأعراف الّتي ابتدأت بقوله :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ . . .
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
فجاء « الإصر » مع « الأغلال » عقيب ( يضع ) مسبوقا بتكاليف سهلة ليست أغلالا ، مثل : الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وتحليل الطّيّبات وتحريم الخبائث . وفيها تحديد معنى الإصر حين نسب إلى النّاس . ومن ذلك نعلم أنّ الإصر إذا « أخذ » فهو بمعنى العهد ، وإذا « حمل » أو « وضع » فبمعنى التّكليف الشّاقّ . ويتلاقيان في مفهوم الحبس والشّدّ وغيرهما ممّا جاء في النّصوص ، كما يتلاقيان في أنّ كليهما أمانة من اللّه ، والأمانة تحمل وتؤخذ ، قال تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ . . .
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
الأحزاب : 72 . وسادسا : جاء في آية آل عمران :
وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي
دون : أخذنا منكم إصرا ، كما قال في صدر الآية :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ،
فما هو سرّ