العلاقة ، وأفسحت لهم المجال للترّاجع عمّا هم عليه من ضلال ؟ وصبرت على كلّ نوازع الذّاتيّة المعقّدة ، وتحملّت كلّ ألوان الاضطهاد الرّوحيّ والعمليّ بما كانوا يثيرونه حولك من شبهات وشكوك ، وما يقفونه من مواقف سلبيّة ؟ ولكنّهم استمرّوا في خطّ التّمرّد والطّغيان ، فلم يستجيبوا للحوار الّذي دعوتهم إليه ، ولم يتجاوبوا مع دعوة التّفكير والتّأمّل الّتي وجّهتها إليهم ، فهم ليسوا من الفئات الّتي تبعث الألم في النّفس عندما تنحرف عن الخطّ ، بل هم من الفئات الّتي توحي بعدم المبالاة ، وبالإهمال لكلّ ما يتعلّق بهم لأنّهم واجهوا الرّسالة بذلك الموقف نفسه
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ .
( 8 : 276 )
تاسوا
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . .
الحديد : 23
ابن عبّاس : ليس أحد إلّا يحزن ويفرح ، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبرا ، ومن أصابه خير فجعله شكرا . ( الطّبريّ 27 : 235 )
ابن قتيبة : أي لا تحزنوا . ( 454 )
مثله الطّبريّ ( 27 : 235 ) ، والقرطبيّ ( 17 : 258 ) ، والبيضاويّ ( 2 : 456 ) ، والآلوسيّ ( 27 : 187 ) ، والمراغيّ ( 27 : 179 ) .
المبرّد : ليس المراد من قوله :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . .
نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ، ولا تعتدّوا بثواب على فوات ما سلب منكم ، ولا تفرحوا فرحا شديدا يطغيكم حتّى تأشروا فيه وتبطروا ، ودليل ذلك قوله تعالى :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ
الحديد : 23 ، فدلّ بهذا على أنّه ذمّ الفرح الّذي يختال فيه صاحبه ويبطر . وأمّا الفرح بنعمة اللّه والشّكر عليها فغير مذموم . ( الفخر الرّازيّ 29 : 238 )
الطّوسيّ : أي لا تحزنوا [ إلى أن قال ] :
والتّأسّي : تخفيف الحزن بالمشاركة في حاله .
( 9 : 533 )
الرّازيّ : فإن قيل : كيف قال تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . .
الحديد : 23 ، ولا أحد يملك نفسه عند مضرّة تناله أن لا يحزن ، ولا عند منفعة تناله أن لا يفرح ، وليرجع كلّ واحد منّا في ذلك إلى نفسه ؟
قلنا : ليس المراد بذلك الحزن والفرح الّذي لا ينفكّ عنه الإنسان بطبعه قسرا وقهرا ، بل المراد به الحزن المخرج لصاحبه إلى الذّهول عن الصّبر والتّسليم لأمر اللّه تعالى ورجاء ثواب الصّابرين ، والفرح المطغي الملهي عن الشّكر ، نعوذ باللّه منهما . ( مسائل الرّازيّ : 338 )
البروسويّ : يقال : أسي على مصيبته يأسى أسى من باب « علم » ، أي حزن . أي أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم .
( 9 : 375 )
المصطفويّ : من الأسى اليائيّ ، أي لا تحزنوا ولا تلهّفوا على الفائت . والأصل : لا تأسيوا . ( 1 : 79 )
فضل اللّه : فلا تعيشوا السّقوط تحت وطأة الحزن