المدمّر أو البطر ، تحت تأثير الفرح الطّاغيّ ، عندما تحدث الخسارة ، أو عندما يأتي الرّبح انطلاقا من صدمة المفاجأة الّتي تثير ذلك هنا وهناك ، بل لا بدّ من مواجهة الأمر على أساس أن الحديث السّلبيّ أو الأيجابيّ حالة طبيعيّة في نظام الوجود ، لأنّ الخسارة تخضع لأسبابها الاختياريّة أو الاضطراريّة ، كما أنّ الربّح يخضع لذلك ، فلا مجال لأيّ شيء طارئ في ذلك ، ولا مفاجآت في عمق الأمور ، فإذا تمّت للحدث أسبابه فلا بدّ من أن يحدث ، من خلال الحتميّة الكونيّة للأشياء ، في ما قدّر اللّه لها ، تماما كما هي الأشياء الكونّية في نظام الطّبيّعة الخاضع للتّقدير الإلهيّ في التّكوين .
وقد جاء في نهج البلاغة : قال أمير المؤمنين عليه السّلام :
الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن ، قال اللّه سبحانه :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزّهد بطرفيه » .
وعلى ضوء ذلك ، فلابدّ للإنسان من أن يتواضع في حركته ، ويتوازن في شعوره ، ويثق بالتّقدير الإلهيّ في موارد رزقه ، فلا ينتفخ في حالات الفرح ، ليتحوّل ذلك عنده إلى حالة استعراضيّة من الخيلاء ، أو حالة استكباريّة من الاستعلاء والفخر ، أو حالة أنانيّة خائفة تقوده إلى البخل . ( 22 : 41 )
اسى
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ .
الأعراف : 93
ابن عبّاس : أحزن . ( الطّبريّ 9 : 6 )
مثله الحسن ، والسّدّيّ ( الطّوسيّ 4 : 504 ) ، والطّبرسيّ ( 2 : 450 ) ، والطّباطبائيّ ( 8 : 194 ) .
أبو عبيدة : أي أحزن وأتندّم وأتوجّع ، ومصدره :
الأسى . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 222 )
الطّبريّ : فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانيّة اللّه ، وكذّبوا رسله ، وأتوجّع لهلاكهم . ( 9 : 6 )
البغويّ : أحزن ؛ والأسى : الحزن ، والأسى :
الصّبر . ( 2 : 217 )
الزّمخشريّ : الأسى : شدّة الحزن ، وقرأ يحيى بن وثّاب ( فكيف إيسي ) بكسر الهمزة . ( 2 : 97 )
الفخر الرّازيّ : الأسى : شدّة الحزن . [ ثمّ استشهد بشعر ]
إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان :
القول الأوّل : أنّه اشتدّ حزنه على قومه ، لأنّهم كانوا كثيرين ، وكان يتوقّع منهم الاستجابة للإيمان ، فلمّا أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة ، ثمّ عزّى نفسه ، وقال :
فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
لأنّهم هم الّذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر .
والقول الثّاني : أنّ المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنّصيحة والتّحذير ممّا حلّ بكم ، فلم تسمعوا قولي ، ولم تقبلوا نصيحتي
فَكَيْفَ آسى
عليكم ، يعني أنّهم ليسوا مستحقّين بأن يأسى الإنسان عليهم .
( ( 14 : 182 )
القرطبيّ : أي أحزن ؛ أسيت على الشّيء آسى أسى ، وأنا آس . ( 7 : 252 )