تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥

الاستعمال القرآنيّ

1 - جاء « الأسف » في القرآن خمس مرّات : مسندا إلى النّبيّ مرّة ، وإلى يعقوب مرّة ، وإلى موسى مرّتين ، وأخيرا إلى اللّه تعالى مرّة :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
الكهف : 6
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
يوسف : 84
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي
الأعراف : 150
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً
طه : 86
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
الزّخرف : 55 ويلاحظ أوّلا : أنّ الآيات كلّها مكّيّة ، والنّكتة في ذلك - واللّه أعلم - أنّ مكّة باعتبارها وطن الغربة للإسلام ، فهي دار الصّبر والأسف دون الجهاد والقتال ، فلم يكن قبال المنكرين حيلة سوى الأسف على كفرهم والصّبر على مكائدهم ، فلم يناسب الحال إذ ذاك إلّا التّعبير بالأسف حتّى في موضع الانتقام
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ .
وأمّا المدينة فهي موطن العزّة والقدرة للإسلام ، ودار السّيف والقتال ، فتبدّل فيها الأسف سيفا على الكفّار ، والصّبر سلطانا وسيطرة وقتالا على الأعداء . وثانيا : أنّ الأسف في الجميع إنّما هو من اللّه ورسله دون النّاس ، إلّا أنّه أسف على كفر النّاس وضلالهم ، وهذا هو الجدير بالأسف دون الحياة الدّنيا وما يرجع إليها . وأمّا آية يوسف فإنّما هي أسف من يعقوب على ابنه يوسف ، وهو أيضا نبىّ مثله ، له دور بارز في هدى النّاس ، وليس أسفا من والد على فقد ابنه ، وهما من أوساط النّاس كي يعدّ أسفا على المال والبنين وهما زينة الحياة الدّنيا ، فلا ينبغي الأسف على ما فاتنا من الدّنيا ، قال تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
الحديد : 23 . وثالثا : أنّ التّدبّر في الآيات يفصح عمّا رجّحناه في معنى « الأسف » من التّلهّف النّاشئ عن الحزن أو الغضب ، فإنّ قوله :
باخِعٌ نَفْسَكَ . . .
كالصّريح في أنّ الأسف ناشئ عن أنّه بخع نفسه ، أي غضب عليها ، وتلهّف على أنّهم لم يؤمنوا بالقرآن . ويدلّ قوله :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
كذلك على أنّ أسفه نشأ عن حزنه الشّديد وبكائه الكثير حتّى ابيضّت عيناه . وأمّا قوله :
غَضْبانَ أَسِفاً * *
فهو يسفر عن أنّ الغضب يختلف عن الأسف ، وأنّ الأوّل سبب للثّاني . وأمّا قوله :
فَلَمَّا آسَفُونا
فالمفسّرون وإن فسّروه ب « أغضبونا » إلّا أنّ التّعبير ب ( آسفونا ) دون « أغضبونا » يشعر بالفرق بينهما ، وأنّ ( آسفونا ) فيه إشراب ، أي أغضبونا حتّى أسفنا وتلهّفنا عليهم ، واشتدّ تلهّفنا حتّى انتقمنا منهم ، أو أسفنا عليهم واشتدّ حتّى تبدّل غضبا فانتقمنا منهم . وفيه نكتة أخرى ، وهي أنّ غضبه تعالى على قوم