تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
غضبه المضمر في نفسه على مولاه ، أو تأسّفه على ما فاته من الحرّيّة . ومنه قوله : ( فلمّا آسفونا ) أي أغضبونا . على أنّه جاء « آسف » بمعنى جعله أسفا ، أي متأسّفا أيضا ، وإن لم يكن هناك آسف بالفعل . 3 - وأطلق أيضا على ما ينبغي التّأسّف عليه ، فيقال : أرض أسيفة ، أي رقيقة لا تكاد تنبت شيئا ، فهي ممّا يتأسّف عليه ؛ حيث فاتها النّبات . 4 - ثمّ أطلق على ما يترتّب على الأسف ، فيقال : الأسيف ، أي السّريع الحزن والبكاء . 5 - كما أنّه قد يطلق على نفس الفوت ، حتّى أنّ ابن فارس جعله الأصل فيه ، فقال : أصل واحد يدلّ على الفوت والتّلهّف وما أشبه ذلك . 6 - وقد قيل : إنّ الأسف : الظّلم ، وإنّ الأسف فيه إبدال على قول ابن فارس ، والأصل فيه العين « العسف » أي الظّلم . وبهذا الاعتبار فالأصل فيه الظّلم ، ولكنّه ظلم مخفّف باعتبار أنّ تخفيف الهمزة في اللّفظ دلّ على تخفيف المعنى ، ويسمّى الأجير أو العبد أسيفا ، باعتبار أنّهما مظنّة أن يقع عليهما الظّلم ، وأنّ العسيف من وقع عليه ظلم أشدّ وأقسى ، ربّما يتسبّب بالقتل والتّعذيب . وأمّا الأسف فهو ظلم غير ممعن في القساوة الّتي تسبّب الحزن أو الغضب فقط دون الانتقام ، اللّهمّ إلّا إذا تراكم الحزن في القلوب ، فيتبدّل غضبا وعسفا فانتقاما . فالأصل في الأسف - على هذا الرّأي - هو الظّلم ، ثمّ انتقل إلى ما يلازمه من الحزن والغضب والتّلهّف وغير ذلك . وهذا القول لا دليل عليه في نصّ لأحد من أرباب اللّغة ، ومجرّد التّشابه اللّفظيّ بين العسف والأسف لا ينهض دليلا على وحدة المعنى ، بل غايته وجود المناسبة بينهما وهي علاقة التّسبيب ، فالظّلم سبب للأسف . وأمّا حديث الإبدال فابن فارس ادّعاه في « التّابع » فقط ؛ حيث قال : « وأمّا التّابع وتسميتهم إيّاه أسيفا ، فليس من الباب ، لأنّ الهمزة منقلبة من عين . وقد ذكر في بابه » ، ( المقاييس 1 : 103 ) . على أنّ ابن فارس لم يصرّح في معنى « عسف » بالظّلم ، بل قال : « ركوب الأمر من غير تدبير ، وركوب مفازة من غير قصد ، ومنه التّعسّف » إلى أن قال : « والعسيف : الأجير ، وما يبعد أن يكون من هذا القياس ، لأنّ ركوبه في الأمور فيما يعانيه مخالف لصاحب الأمور . . . » ( المقاييس 4 : 311 ) . والحقّ أنّ الإبدال في خصوص إطلاق اللّفظين - أي الأسيف والعسيف - على « الأجير » لا ينكر ، وأنّ إطلاقهما عليه بلحاظ واحد ، أي وقوع الظّلم عليه ، أو ركوبه الأمر بما لا يرضي صاحب العمل ، إذا كان العين هو الأصل والهمزة مبدلة منها ، وأمّا لو قيل بالعكس ، أي إبدال الهمزة عينا ، فالتّلهّف أو الحزن والغضب هو الأصل في معناهما كما قلنا في معنى « الأسف » . وأخيرا فإنّ الظّلم متعدّ بنفسه ، يقال : ظلمه ، والأسف متعدّ ب « على » ، يقال : أسف عليه ، فكيف يكون بمعنى الظّلم ؟