الفخر الرّازيّ : الأسف : المبالغة في الحزن . وفي انتصابه وجوه :
الأوّل : أنّه نصب على المصدر ، ودلّ ما قبله من الكلام على أنّه يأسف .
الثّاني : يجوز أن يكون مفعولا له ، أي للأسف ، كقولك : جئتك ابتغاء الخير .
والثّالث : قال الزّجّاج : ( اسفا ) منصوب ، لأنّه مصدر في موضع الحال . ( 21 : 79 )
البيضاويّ : للتّأسّف عليهم أو متأسّفا عليهم ، والأسف : فرط الحزن والغضب . ( 2 : 4 )
مثله القاسميّ . ( 11 : 4024 )
الآلوسيّ : انتصاب قوله تعالى : ( اسفا ) ب ( باخع ) على أنّه مفعول من أجله .
وجوّز أن يكون حالا من الضّمير فيه بتأويل متأسّفا ، لأنّ الأصل في الحال الاشتقاق ، وأن ينتصب على أنّه مصدر فعل مقدّر ، أي تأسّف أسفا .
( 15 : 205 )
فضل اللّه : الرّسول صلّى اللّه عليه واله وحسرته على الكفّار
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ
الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله الّذي كان يعيش الألم والحسرة أمام بعد المشركين ، وإعراضهم عن القرآن وعن الدّعوة إلى اللّه .
وهذه المواقف تمثّل خطوات المشركين العمليّة على صعيد خطّ الرّسالة ، تماما كما هي الآثار الّتي تتركها أقدامهم على الطّريق في حالة السّير . وربّما تؤدّي به هذه المشاعر السلبيّة الضّاغطة إلى الهلاك ، عندما تتعاظم أو تتحوّل إلى عقدة وتساؤل دائم ، عن السّبب في هذا الموقف المضادّ ، وعن الضّعف الّذي يحيط بشخصه وبالسّاحة أمام قوّة هؤلاء ، وعن أشياء كثيرة قد تطوف في نفسه وتضغط على وجدانه . . .
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
والمراد به : القرآن الّذي أنزله اللّه عليه ، فتمتلئ روحه بالأسى والأسف ، لأنّهم لم يستجيبوا لدعوة الإيمان به .
حسرة الرّسول صلّى اللّه عليه واله مظهر لكماله الإنسانيّ
ونتساءل : هل هذا تعبير عن حالة حقيقيّة في مشاعر النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه واله ، وهل يتناسب الوضع الشّعوريّ مع العصمة لديه .
ونجيب بأنّ هذه المشاعر لا تمثّل حالة نقص ، بل نجد فيها حالة كمال إنسانيّ ؛ ذلك أنّها تصدر عن حسّ إنسانيّ رهيف ، ناتج عن الشّعور بالمسؤوليّة أمام الآخرين أيّا كانوا ، فالنّبيّ صلّى اللّه عليه واله يعي نفسه رسولا للعالمين ، وبالتّالي منقذا لهم ، ولهذا فبقدر ما يجد نفسه معنيّا بالّذين يتّبعونه ، يجد نفسه معنيّا بالّذين لم يتّبعوه أمثال الجاحدين والكافرين ، لأنّ هؤلاء بحكم ما هو عليه ، يستحقّون الإشفاق أكثر من غيرهم ، لأنّهم سيسقطون في مهالك الكفر والطّغيان لا محالة ، فليست هناك عقدة ذاتّية ، بل هي حالة إنسانيّة رساليّة في المستوى الرّفيع لروحيّة الإنسان تجاه الآخرين .
ثمّ ما الّذي يمنع الرّسول من الخضوع للحالات البشريّة الّتي يعيشها كلّ النّاس في مواقع الضّعف البشريّ ، تماما . كما يمرض ويتألّم ويموت ، لأنّ المشكلة فيه ليست هي نقاط الضّعف الذّاتيّة ، بل المشكلة هي تأثيرها على مستوى الشّخصيّة الرّساليّة في حركته في