والثّاني : وهو أيضا قول ابن عبّاس ، والحسن ، والسّدّيّ : إنّ الآسف هو الحزين .
وفي حديث عائشة أنّها قالت : « إنّ أبا بكر رجل أسيف » أي حزين .
قال الواحديّ : والقولان متقاربان ، لأنّ الغضب من الحزن ، والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممّن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممّن هو فوقك حزنت .
فتسمّى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا .
فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل أسفا حزينا ، لأنّ اللّه تعالى فتنهم . وقد كان تعالى قال له :
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
طه : 85 .
( 15 : 10 )
القرطبيّ : شديد الغضب ، وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف . والأسيف أيضا : الحزين . ( 7 : 286 )
أبو حيّان : ( أسفا ) من أسف فهو أسف ، كما تقول :
فرق فهو فرق ، يدلّ على ثبوت الوصف . ولو ذهب به مذهب الزّمان لكان على « فاعل » ، فيقال : آسف .
والآسف : الحزين ، قاله ابن عبّاس ، والحسن ، والسّدّيّ ؛ أو الجزع ، قاله مجاهد ؛ أو المتلهّف أو الشّديد الغضب ، قاله الزّمخشريّ . وابن عطيّة قال : وأكثر ما يكون بمعنى الحزين أو المغضب ، قاله ابن قتيبة ؛ أو النّادم ، قاله القتبيّ أيضا ؛ أو متقاربان ، قاله الواحديّ .
( 4 : 394 )
رشيد رضا : [ نقل قول ابن عبّاس ، والرّاغب المتقدّم في اللّغة ثمّ قال : ]
ثمّ ذكر [ الرّاغب ] إنّ الأسف في الآية الّتي نفسّرها هو الغضبان ، فهو إذا مترادف . وقد فاته هنا ما نعهد من تحقيقه لمدلولات الألفاظ ، وما أظنّ أنّ ما نقله عن ابن عبّاس يصحّ ، فإنّ ما ذكر من المقابلة بين الغضب والحزن إنّما يظهر بين الغضب والحقد ، وإنّما الحزن ألم النّفس بفقد ما تحبّ من مال أو أهل أو ولد ، وليس من شهوة الانتقام في شيء .
ومن شواهد استعمال الأسف بمعنى « الحزن » قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السّلام :
وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . . .
يوسف : 84 ، ومن شواهد استعماله بمعنى « الغضب » قوله تعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ . . .
الزّخرف : 55 .
ولا يوصف تعالى بالحزن ولا يسند إليه ، وغضبه سبحانه ليس كغضب البشر ألما في النّفس ، ولا أثرا لغليان دم القلب ، تعالى عن هذه الانفعالات والآلام البشريّة ، وإنّما هو صفة تليق به هي سبب العقاب .
والجمع بين الغضبان والأسف في صفة موسى عليه السّلام يدلّ على أنّ الأسف بمعنى الحزين . ( 9 : 206 )
عزّة دروزة : حزينا أو مشتدّ الغضب . ( 2 : 161 )
الطّباطبائيّ : الأسف ، بكسر السّين : صفة مشبّهة من الأسف ، وهو شدّة الغضب والحزن . ( 8 : 250 )
المصطفويّ : الظّاهر من موارد استعمال هذه المادّة أنّ معناها الحقيقيّ هو التّلهّف والحزن عند فوت شيء .
وأمّا الغضب وغيره فممّا يفهم بالقرائن ، ومن المعاني المجازيّة لها :
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
طه : 86 ، أي متأسّفا وحزينا على ما فعلوا من اتّخاذهم العجل .