وذكر هذه الكلمة بعد كلمة غضبان يدلّ على التّقابل بينهما ، وعدم دلالة مادّة الأسف على معنى الغضب . فالأسف على ترك التّوحيد وفوته منهم بسبب اتّخاذ العجل والشّرك الباعث للغضب .
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
يوسف :
84 ، أي على فقدانه .
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
الكهف : 6 ، يتأسّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله على عدم إيمانهم بما جاءه به .
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
أي فلمّا أوجب طغيان فرعون وأتباعه التّأسّف منّا على كفرهم وخلافهم النّصيحة والصّلاح والسّعادة فانتقمنا منهم . وعذّبناهم . فلا حاجة لنا إلى حمل الأسف على الغضب ، مع أنّ المناسب هو التّأسّف .
وأمّا أنّ الأسف كيف ينسب إلى مقام الرّبّ ؟ فهو كالغضب ، فيطلق عليه تعالى باعتبار آثاره ونتائجه المترتّبة .
ثمّ إنّ بين « الأسف » و « الأسى » اشتقاق أكبر ، ومعناهما متقاربان . ( 1 : 74 )
فضل اللّه :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
حزينا حالة يبتعد فيها النّبيّ عن الغضب الذّاتيّ ، والحزن الانفعاليّ ، فقد غضب للّه الّذي أشرك هؤلاء بعبادته بعد أن أقام عليهم الحجّة تلو الحجّة ، وحزن للرّسالة ، بعد هذا الجهد الضّائع الّذي بذله من أحل تنميتها في حياة هؤلاء ، وتعميقها في داخل نفوسهم . ( 10 : 249 )
2 -
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً . . .
طه : 86
ابن عبّاس : شديد الغضب حزينا .
( الطّبرسيّ 4 : 24 )
مجاهد : جزعا . ( الطّبرسيّ 4 : 24 )
الجبّائيّ : متحسّرا متلهّفا على ما فاته ، لأنّه خشي أن لا يمكنه تدارك أمر قومه . ( الطّبرسيّ 4 : 24 )
نحوه الميبديّ . ( 6 : 163 )
الطّبريّ : متغيّظا على قومه ، حزينا لما أحدثوه بعده من الكفر باللّه . ( 16 : 196 )
الطّوسيّ : الأسف : أشدّ الغضب . وقال بعضهم :
قد يكون بمعنى الغضب ، ويكون بمعنى الحزن ، قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ . . .
الزّخرف : 55 ، أي أغضبونا . ( 7 : 197 )
الرّاغب : الأسف : الغضبان ، ويستعار للمستخدم المسخّر ولمن لا يكاد يسمّى ، فيقال : هو أسف . ( 17 )
ابن عطيّة : ( اسفا ) عليهم من حيث له قدرة على تغيير منكرهم ، ( اسفا ) أي حزينا من حيث علم أنّه موضع عقوبة مأمولة ، فدفعها ولا بدّ منها ، والأسف في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه فهو غضب ، ومتى كان من الأقلّ على الأقوى فهو حزن ، وتأمّل ذلك فهو مطّرد إن شاء اللّه عزّ وجلّ . ( 4 : 58 )
الفخر الرّازيّ : ذكروا في الأسف وجوها :
أحدها : أنّه شدّة الغضب ، وعلى هذا التّقدير لا يلزم التّكرار ، لأنّ قوله : ( غضبان ) يفيد أصل الغضب ، وقوله : ( اسفا ) يفيد كماله .