والصّدر وما إليهما - نقلت اللّغة لفظة « الأسر » للدّلالة على الجميع والمجموع ، حتّى يكاد يختفي معنى الشّدّ والحبس مع استمراره في الدّلالة بشكل خفيّ . فكأنّك حين قلت : جاء القوم بأسرهم ، قد تناسيت معنى الشّدّ والقدّ والحبل في القضيّة كلّها . مع أنّ الملاحظ يدرك أنّ « بأسرهم » دالّة - من بعيد - على تصوّر القادمين وكأنّهم قد شدّوا إلى بعضهم البعض ، فجاؤوا كالحزمة الواحدة .
الاستعمال القرآنيّ
1 - وردت هذه المعاني جميعا في القرآن في ستّ آيات هي :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
الأحزاب : 26
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ
الدّهر : 28
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
الدّهر : 8
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
الأنفال : 67
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى
الأنفال : 70
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
البقرة : 85
يلاحظ أنّ هذه المعاني المتشكّلة من الألفاظ الخمسة المتقدّمة تتضمّن دلالتين اثنتين :
الأولى : قوله :
وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
بمعنى أنّكم تأخذونهم وتشدّون أيديهم إلى جنوبهم ، وتجعلون القدّ يدور حول ظهورهم وصدورهم وبطونهم ، فكأنّكم قد امتلكتم أسرهم فكانوا أسرى لكم .
وبالطّبع فإنّ معنى « الأسر » هاهنا يتجاوز معنى الشّدّ بالحبال إلى الأخذ العامّ المانع للمأخوذين ، من التّصرّف .
الثّانية : قوله :
شَدَدْنا أَسْرَهُمْ
أي جعلنا ظهورهم وصدورهم وأكتافهم على هذه الصّورة المحكمة المتماسكة المعتدلة ، كما يشمل ( أسرهم ) معنى جميعهم ، أي جميع أعضاء جسمهم وجميع أجزاء خلقتهم . وعبّر عن الجميع بلفظ ( أسرهم ) لما في هذه اللّفظة من الدّلالة على الظّهر ، وما يتعلّق به عن علوّ وعن سفل ، من يمين ومن شمال ، ثمّ لما فيها من معنى الجمع والجميع والمجموع .
وهكذا نرى أنّ
شَدَدْنا أَسْرَهُمْ
قد لجأت إلى إطلاق الجزء على الكلّ ، وهي في الوقت نفسه دالّة على معنى ذلك الكلّ ، بناء على دلالتها على الجمع والمجموع .
فأمكن لهذا التّركيب أن يؤدّي المعنى العامّ للأسر ، مع تركيزه على أهمّ جزء من أجزاء ذلك الأسر ، وهو الظّهر وما اتّصل به ممّا يشكّل استقامة قامة الإنسان وتماسك جسمه .
2 - ولقد التفت صاحب الإعجاز العدديّ ( ج 2 :
149 ) إلى أنّ مادّة « أسر » ومادّة « حرب » جاءتا وما يشتقّ منهما بنفس عدد المرّات ، ستّ مرّات لكلّ مادّة ، رغم عدم اجتماعهما في آية واحدة ، بل في سورة واحدة . وتعقيبا على كلامه نقول :
أوّلا : إنّه لم يدخل المحراب « 4 مرّات » والمحاريب « مرّة واحدة » في القرآن ، في مشتقّات « حرب » ، وإلّا