تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
هذا الحرف ، سواء وقع في أوّل الكلمة ، مثل : أدّ وأكد عن ودّ ووكد ، أم في وسط الكلمة ، مثل : نام وباع عن نوم وبيع ، أم في آخر الكلمة ، مثل : رضي ومشى عن رضو ومشي . وهذا الضّرب من الإقلاب محكيّ عن تميم وهذيل والأوس والخزرج ؛ فتميم تقول في وقاط : إقاط ، ووشاح : إشاح ، ووجيل : أجيل . وتقول هذيل في وقاء : إقاء ، ووعاء : إعاء ، وودّ : أدّ ، ووشاح : إشاح . وتقول الأنصار في رجل وائل : رجل آيل ، وأوصدت : آصدت ، ووكّدت : أكّدت . 3 - ويحتمل أن تكون الهمزة هي الأصل والواو مقلوبة عنها ، وهذه لغة دارجة عند طيّء وسائر قبائل اليمن ، وعند أهل الحجاز أيضا ؛ فأهل اليمن يقلبون الهمزة في فاء الفعل واوا دائما ، فيقولون في آسيته : واسيته ، وآخذته : واخذته ، وآخيت : واخيت ، وآتيته : واتيته . ويقول الحجازيّون في أكف : وكف ، وآكف : أوكف ، وأكّد : وكّد . 4 - ونرى الاحتمال الثّاني أقرب إلى الواقع من الأوّل لعدّة وجوه : منها : أنّ همزة هذا الفعل تبقى في مضارعه كما هو الحال في الأفعال الّتي تبتدئ بهمزة أصليّة ، مثل : أبق يأبق ، وأبى يأبى ، وأتى يأتي ، وأثر يأثر ، وأثم يأثم . . . ولو كانت واوا في الأصل لظهرت في المضارع ، كما ظهرت في الأفعال : أجّ يؤجّ ، وآلى يؤلي ، وآب يؤوب ، وآد يؤود ، وآل يؤول . أو حذفت كما في : وضع يضع ، ووثق يثق ، وودع يدع ، ووذر يذر ، وورث يرث . ومنها : أنّ إبدال الهمزة واوا في الأفعال الّتي تبدأ بالهمزة هو لسهولة النّطق به ، لأنّه حرف شفويّ . ثمّ إنّ حروف الفعل « أزف » قد جاءت مرتّبة من أقصى السّلّم الصّوتيّ إلى أدناه . فمخرج الهمزة يقع في أقصى الحلق وهو نقطة الانطلاق ، والزّاء في الجوف وهو نقطة الوسط ، والفاء بين الشّفتين وهما خطّ النّهاية . أما النّطق بالفعل « وزف » فنقطة الابتداء فيه هي الشّفتان ، والجوف هو نقطة الذّهاب والإياب ، والشّفتان خطّ النّهاية أيضا . فالصّوت يقطع المسافة الأولى بدرجة « 88 » في حساب الجمل ، ويقطع المسافة الثّانية بدرجة « 93 » . والفرق بينهما « 5 » درجات ، وهو الفرق بين الاستقامة والانعطاف بين النّطق بالهمزة والواو . 5 - ولو أمعنّا النّظر في ألفاظ القرآن الّتي تتنازع فيها الهمزة والواو لرأينا أنّ مهدها مكّة المكرّمة ، وهي يوم ذاك مسكن قبائل مختلطة من الشّمال ، أي الجزيرة العربيّة ، ومن الجنوب ، أي اليمن . فضلا عن ذلك فإنّ مكّة تحيط بها قبائل شتّى أيضا من أهل الشّمال والجنوب ؛ فتحدّها من الشّمال المدينة المنوّرة ، وهي مسكن الأوس والخزرج وهما من اليمن ، ومن الجنوب الطّائف الّتي تسكنها ثقيف وقريش وهذيل من أهل الشّمال وحمير من أهل الجنوب ، ومن الشّرق صحراء نجد الّتي تسكنها قبائل البدو الشّماليّة والجنوبيّة ، ومن الغرب جدّة ، وهي مسكن قبائل الشّمال والجنوب مثل قضاعة . فلغة مكّة - إذا - تهاميّة حجازيّة نجديّة عروضيّة يمنيّة ، ففيها تتبلبل الألسن وتختلط . ونرى صدى هذه البلبلة في القرآن بوضوح ، فمرّة يورد لفظا بلغة أهل الشّمال من تميم وهذيل ومن سايرهم